الأحد، 10 يونيو 2012

زيارة نجاد... رسالة إيرانية إلى دول الخليج وليس فقط إلى الإمارات

 مختار الدبابي





جاء الموقف الإماراتي قويا وحاسما من الزيارة الاستفزازية التي أجراها أحمدي نجاد إلى جزيرة أبو موسى، وهذا الحسم ليس فقط نابعا من القناعة بالحق في السيادة على الجزر التي تحتلها إيران وإنما هو، أيضا، وليد قراءة دقيقة للنوايا الإيرانية التي تتخفى وراء هذه الزيارة.



فالصراع بين الإمارات وإيران حول الجزر ليس جديدا والاستفزازات الإيرانية تتكرر بين فترة وأخرى، لكن زيارة نجاد أثارت الحنق الإماراتي لأنها تتنزل في سياق سياسة عامة تحاول تصدير الأزمة عبر افتعال مشاكل هامشية، وليس خافيا على احد أن إيران تعيش ظروفا داخلية صعبة خاصة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بفعل العقوبات المفروضة عليها من الدول الغربية.



وهي عقوبات تهدد بأزمة خانقة في المواد التموينية والطبية، على وجه الخصوص، إضافة إلى تدني قيمة العملة المحلية ما يخلق أرضية خصبة للتضخم وارتفاع جنوني للأسعار.



يضاف إلى هذا حالة التململ السياسي والمذهبي والديني نتيجة القبضة الأمنية التي تقمع حرية الفكر وتراقب الانترنت وتزج بالخصوم في السجون، وهذا ما يفسر تجدد المظاهرات الاحتجاجية وتحديها للقمع الأمني، والمفارق، هنا، أن جزءا هاما من هؤلاء المحتجين هم أبناء قيادات فاعلة في ثورة 1979 ومن الجيل الذي فتح عينيه على شعاراتها ووعودها واكتوى بنار فشلها.



ولا شك أن العقوبات الغربية جعلت القيادة الإيرانية تتصرف تصرف اليائس الذي لا يدري ما يفعل ويحاول أن يلهي شعبه بقضايا خارجية عسى أن تغيّر من صورتها المهتزة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، لكن الذي لا يدركه نجاد، أو هو يكابر ويتعامى عنه، أن الإيرانيين ملوا من الشعارات التي تلوح بمواجهة الامبريالية والاستكبار العالمي وتحرير القدس ونصرة آل البيت.. لقد صارت عيونهم مشدودة إلى الخبز ويبحثون عمّن يقاتل الفقر والبطالة لا من يقاتل الجيران.



لقد حاول نجاد أن يخلق محورا هامشيا يلهي الإيرانيين ويخفف من نقد خصومه لسياسته بالداخل والخارج خاصة أن إيران أصبحت على مرمى الصواريخ الغربية لعدم قدرتها على الحوار والمناورة في العلاقة بملفها النووي وفي طمأنة جيرانها.



إن الغرور "الثوري" الذي يتعامل به نجاد مع مطالب المجتمع الدولي ومع مخاوف محيطه العربي والإسلامي من هرولة إيران إلى التسلح التقليدي والنووي جلب لها مشاكل كثيرة وآخرها فكرة الدرع الصاروخية التي تحمي الخليجيين من شطحات نجاد ومزايدات أركان السلطة الإيرانية خاصة ما تعلق بالتلويح بإغلاق مضيق هرمز الذي يعتبر بمثابة إعلان حرب مفتوحة على كل المستفيدين من نفط الخليج.



لقد كانت زيارة نجاد رسالة إلى الخليجيين وإلى الدول التي يهمها أمن الخليج وحماية خطوط النفط، وهي دول كثيرة ونافذة، قبل أن تكون رسالة إلى الإمارات، وتعكس الرسالة هروبا إلى الأمام ومحاولة للتصرف بيأس في عملية أشبه ما تكون بالانتحار.



فما معنى أن تلوح القيادة الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، لا شك أنها واعية تماما بأنها تستنسخ تجربة صدام حسين في غزو الكويت وما ترتب عنها من تدخل قوى دولية في الخليج وعسكرته وتطور في ما بعد إلى حصار دام سنوات طويلة ثم انتهى إلى احتلال العراق وخلق حالة جيوسياسية جديدة بالمنطقة لا شك أن إيران أحد المتضررين منها حتى وإنْ تحالفت للإطاحة بصدام وإضعاف العراق.



وإن القراءة الاستشرافية الهادئة تقول إن إيران تقدم نفسها هدية من ذهب للقوى العالمية الكبرى وتسهّل عليهم خطة ضربها وتفتيتها وتعطيهم المبررات الأمنية والسياسية والأخلاقية في ذلك، فضلا عن استعداء جيرانها ودفعهم دفعا لأن يتخوفوا منها وألا يكونوا في صفها.



وفي مقابل الغرور الإيراني ومنطق فرض الأمر الواقع، مثلما يفعل الاستعماريون، فإن الإمارات تعاملت مع قضية جزرها المحتلة بأسلوب هادئ ينم عن خبرة دبلوماسية وعقلانية وبعد نظر، فقد دعت طهران إلى الحوار الثنائي على قاعدة عودة الحق لأصحابه، كما تبنت خيار اللجوء إلى التحكيم الدولي إذا فشل الحوار المتكافئ.



وكبادرة حسن نية على جدية الرهان على خيار الحوار، فحين اتفقت الإمارات وإيران على التهدئة حول قضية الجزر ووقف البيانات، التزمت الإمارات وسحبت الإشارة إلى الجزر من قرارات اجتماعات مجلس التعاون الخليجي واجتماعات جامعة الدول العربية، مثلما جاء في تصريحات لوزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد.



وواضح أن القيادة الإماراتية تريد أن تجر إيران إلى ساحة معقدة وصعبة على من اعتاد المزايدة بالشعارات والتلويح بالمواجهة، فساحة التحكيم الدولي تعني الاحتكام إلى القوانين والمواثيق الدولية وتقديم الحج والبراهين التاريخية وهذا ما لا تمتلكه إيران وتتهرب منه مثلما تتهرب من التفاوض حول محاولات امتلاكها السلاح النووي، "وإذا أثبتت إيران بالوثائق أن الجزر لها فلتأخذها"، كما قال أستاذ العلوم السياسية الإماراتي الدكتور عبدالله عبدالخالق.



ولا بد من الإشارة إلى أن نزوع طهران إلى التصعيد في قضية الجزر ومحاولة توطين إيرانيين فيها لتغيير الخارطة السكانية لأهلها الأصليين، هما رسالة تتجاوز الإمارات والخليج إلى بقية العرب ليفهموا أن الحياد البارد تجاه إيران لن يفيد أحدا.



فهذه دولة تحلم بأن تكون امبراطورية تصدّر ثورتها ليس فقط باتجاه الكويت والسعودية والبحرين واليمن ولبنان حيث توجد مجموعات للشيعة العرب، وإنما نحو مختلف أقطار العرب سواء عبر استقطاب بعض المجموعات السنية المتشددة وإغرائها بالتمويل أو عبر خلق مجموعات شيعية (مثلما يحصل في تونس والجزائر) والرهان عليها في الحصول على موقع قدم.



وبالتأكيد سيكتشف الشيعة العرب يوما أن إيران لم تكن راعيا ولا سندا لهم وأنها وظفتهم في لعبة أكبر منهم، هي لعبة استعادة المجد القومي لبلاد فارس بتوظيف الخطاب الثورة الراديكالي تارة أو الخطاب الطائفي الموغل في التشدد والانغلاق.



وختاما؛ يجب أن يردد العرب ما ردده وزير الخارجية الإماراتي منذ يومين في التعبير عن نفاد الصبر من السلوك السياسي الإيراني، الذي لم يفد معه الود ولا التمدن، حين قال: "لا نستطيع أن نترك الأمر إلى الأبد."



مختار الدبابي



كاتب وإعلامي تونسي



التحالف الحكومي والمعارضة في تونس: الهروب إلى الأمام للتغطية على التناقضات الداخلية




ميدل ايست أونلاين





مختار الدبابي





لم يفهم الكثير من التونسيين سر التصعيد بين حكومة الأحزاب الثلاثة وبين المعارضة، وهناك سؤال يطرح بكل إلحاح بعد المواجهات الحادة التي شهدها يوم التاسع من ابريل/ نيسان الجاري: أي خفايا لمعركة كسر العظم بين النهضة وخصومها؟



هناك مؤشرات على أن هذا التصعيد يعكس ارتباكا من الجانبين ومحاولة للهروب إلى الأمام للتغطية على وضع حزبي عجز عن مواكبة الحالة الديمقراطية بما توفره من فرص للحوار مع الناس وعرض الأفكار والبرامج والسعي لرسم عناصر التميز عن الآخر فكريا وسياسيا.



خلط الأوراق في ساحة تحكمها الفوضى والغموض ليس سوى عمل مرتّب غايته الوصول إلى الانتخابات في ظروف شبيهة بالانتخابات السابقة حيث فضل 48% من التونسيين عدم التصويت لأنهم لم يقدروا على التمييز بين أحزاب فاقت المئة.



والحقيقة التي يعرفها الشارع التونسي، والكثير من المثقفين والفاعلين السياسيين والحقوقيين، أن المعارضة لم تكن لها برامج قبل ثورة 14 يناير، كان برنامجها الوحيد نقد النظام، وحين جاءت الثورة لم تجد هذه الأحزاب إلى غاية انتخابات 23 تشرين الأول/أكتوبر 2011 الوقت لتقدم برامج وليدة دراسات معمقة ونقاشات داخلية، عدا أحزاب قليلة قدمت برامج حتى وإنْ كان بعضها متعجلا ومربكا.



وليست البرامج وحدها التي تعوز غالبية الأحزاب الفاعلة، بل هناك أزمات داخلية وخلافات وانشقاقات يتحتم تأجيل صعودها إلى السطح عبر الهروب إلى الأمام واختلاق عدو في هيئة نظام بن علي والدعوة إلى الإطاحة به (بالنسبة إلى المعارضة)، أو تصوير المعارضة كما كان يصورها النظام السابق بكونها خائنة وتمارس التحريض والتآمر لدى السفارات الأجنبية (بالنسبة إلى الحكومة).



وتكفي متابعة الصحف والمواقع الإلكترونية وصفحات شبكات التواصل الاجتماعي لمعرفة أزمات مختلف الأحزاب والخلافات التي تتهددها.



حركة النهضة، التي تتزعم الحكومة وتستفيد من حالة الأزمة المفتوحة ولعبة خلط الأوراق وإغراق الساحة في قضايا هامشية، تكاد تكون التنظيم الوحيد الذي يخلو من الانشقاقات وصراع الأجنحة والزعامات الذي تعجز المؤسسات الداخلية عن تحمله فيخرج إلى الصحف والمقاهي.



فباستثناء انسحاب مجموعة من القيادات التاريخية البارزة (عبدالفتاح مورو وفاضل بلدي وبنعيسى الدمني) في بيان التبرؤ الشهير من حادثة حرق مقر الحزب الحاكم السابق (حادثة باب سويقة 1991) لم تعرف "النهضة" اتشقاقات تذكر.



لكن الأزمة التي يمكن أن تهدد النهضة وتربكها في الانتخابات هي قضية الشريعة، وقد هدأت هذه الأزمة ظرفيا لأن المجموعات الإسلامية من داخل النهضة وخارجها فضلت التوحد في مواجهة تصعيد المعارضة وخطاب المزايدة الذي تنتجه.



لو أن الأوضاع السياسية في البلاد كانت مستقرة، ربما لم تكن هذه الأزمة لتمر دون أن تحدث تصدعات في هذا الجسم الكبير المترامي الأطراف، الذي يجمع بين المتناقضات الفكرية والسياسية، يجمع من يؤمن بعلمانية أردوغان ويطالب باستنساخها، ومدنية عبدالفتاح مورو، وثورية راشد الغنوشي، وسلفية الصادق شورو والحبيب اللوز.



وحين أعلنت النهضة أن الفصل الأول من الدستور يكفي ولا حاجة للتنصيص على اعتبار الشريعة المصدر الوحيد أو مصدرا للتشريع، شهدت صفحات الشبكات الاجتماعية حملات تخوين واستخفاف وخيبة أمل من كون قيادات "النهضة" راعت مزايدات المجموعات العلمانية، وضغوط القوى الخارجية وتخلت عن المبدأ، وراجت تصريحات للقيادي الحبيب اللوز يعلن فيها معارضته للقرار ووصفه كثيرون بسبب ذلك بأنه الرجل المبدئي الذي يجب الاصطفاف وراءه لتبني خيار فرض الشريعة في الدستور.



إن المعارضة التي تسعى للتوتير وخلط الأوراق إنما تعطي الفرصة للنهضة كي تظل متماسكة داخليا وقوية الصلة بمحيطها الإسلامي وتصل إلى الانتخابات في أفضل الظروف، ونورد هنا تصريحا لأحد الشيوخ السلفيين الذين لديهم خلافات نوعية مع النهضة، لكنه يحث على دعمها في مواجهة "العدو" ما يؤكد أن "الساحة الإسلامية" تتقن المناورة وتتجاوز عن الخلافات الثانوية في مواجهة "العدو الاستراتيجي".



يقول الشيخ حسين العبيدي متحدثاً عن التحالف القائم بين فصائل التيار الإسلامي "نحن جيش مصطف متكون من عدة سرايا وكل سرية تحمل راية لا اله إلا الله والسرية الاولى المتمثلة في النهضة تقدمت واعطيناها الراية الكبرى لمواجهة العدو وبقينا نحن كسند لنلتحق بها وكلما تقدمت خطوة وتوغلت في الحكم إلا ونحن ورائها حتى نقيض من الداخل ونحقق التمكين ثم نمتد أما أن نبقى متفرجين ونهاجم بعضنا البعض فليس من الحكمة في شي".



أما شركاء النهضة في الحكومة فيعيشان حالة من الانقسامات، فالمؤتمر من أجل الجمهورية الذي يرأسه منصف المرزوقي فيعيش خلافات بدأت بالصراع بين قياداته حول قائمة الوزراء الذين يمثلون الحزب في حكومة التحالف، ثم حول الأمانة العامة للمؤتمر بعد استقالة المرزوقي منها لممارسة مهمة رئاسة الجمهورية استجابة لشروط القانون المنظم للسلط الذي أقره المجلس التأسيسي.



أما "التكتل من أجل العمل والحريات" الشريك الثالث في الحكومة فشهد "تمردا" على القيادة ممثلة في رئيس المجلس التأسيسي، والرئيس الاعتباري للحزب، بسبب تحالفها مع "النهضة" في الحكومة و"سكوتها" على التجاوزات التي تمت خاصة ما تعلق بالحريات العامة والخاصة من قبل السلفيين.



واعتبر المعارضون لبن جعفر أن التعامل السلس للحكومة مع المجموعات التي تكفّر السينمائيين والمثقفين وتهدد حقهم في الإبداع الحر إنما هو تغطية عليهم وضوء أخضر كي يواصلوا ما بدأوه وأن سكوت قيادة التكتل ووزرائها في الحكومة يدخل في خانة خيانة القاعدة الحزبية التي اختارتهم لكونهم مدافعين عن حقوق الإبداع وعن الحريات.



وشهد الحزب استقالات هنا وهناك طالت حتى نوابا للحزب في المجلس التأسيسي أبرزهم خميس قسيلة.



أما أحزاب المعارضة فتشهد انشقاقات تكاد تكون يومية رغم حركة التوحيد التي تشهدها الساحة التونسية لأحزاب متقاربة فكريا وسياسيا مثل "الحزب الجمهوري" الذي يمثل الحزب الديمقراطي التقدمي بقيادة عضوي المجلس التأسيس نجيب الشابي ومية الجريبي مركز الثقل فيه.



وبمجرد انتهاء أشغال المؤتمر الخامس للحزب ثم إعلان "التوحيد" في الحزب الجديد حتى شهد "الديمقراطي التقدمي" استقالات بالجملة من قيادات عليا ومتوسطة بسبب عدم رضاها عن التوحيد وخاصة عن أسماء القيادات التي صعدت من الحزب لتكون ممثلة في المؤسسات القيادية للحزب الجديد.



ومن أبرز القيادات التي علقت نشاطها بسبب "ما وقع في المؤتمر الخامس للحزب من تجاوزات وإخلال بالعملية الديمقراطية" تسعة نواب في المجلس التأسيسي يتقدمهم رئيس الكتلة محمد الحامدي.



وفي هذا الإطار أرجع عضو اللجنة المركزية وعضو الأمانة الوطنية للشباب وسيم بوثوري، في تصريح لصحيفة "الصباح" التونسية جذور ما يحدث داخل الحزب إلى فترة ما بعد الانتخابات قائلا "بعد هزيمة 23 أكتوبر 2011 (في الانتخابات) اجتمعت اللجنة المركزية للحزب وصادقت على تقرير يشخص أسباب الهزيمة ويحدد آليات الإصلاح داخل الحزب وانطلاقا من هذا التقرير بدا يتشكل تيار إصلاحي ينادى بضرورة تحديد آليات اتخاذ القرار وترشيد اتخاذ المواقف السياسية وتم الاتفاق على أن يكون المؤتمر القادم للتقدمي فرصة للإصلاح غير انه وخلافا لما وقع الاتفاق حوله فقد سبقت أشغال المؤتمر حملة تشويه استهدفت رموز التيار الإصلاحي."



ولا يقف الأمر عند الأحزاب المصنفة كبيرة من حيث عدد منخرطيها وتمثيليتها في المجلس التأسيسي، بل يمتد إلى مختلف الأحزاب الصغيرة الأخرى التي تتكون من عشرات المنخرطين ثم تتشظى سريعا لخلاف بين الشخصيات المؤسسة لها، ومنها ما اختفى لتوقف التمويل خاصة من رجال أعمال راهنوا على أن يجدوا لهم موطئ قدم في التأسيسي وحين فشلت الأحزاب التي أسسوها أو دعموها سحبوا التمويل.



والسؤال الذي يطرح في الساحة التونسية الآن، هل تنجح محاولات التوحيد التي بدأت خلال الأسابيع الأخيرة في إنقاذ الأحزاب ومن ثمة في إرساء التوازن بالساحة السياسية التي تبدو فيها "النهضة" اللاعب القوي والمنظم؟



الإجابة تكون بالإيجاب طبعا، لكن صعوبة تحقق هذا التوحيد يجعل المسألة معلقة بانتظار قدرة بعض الأحزاب والزعامات على تقديم التنازلات المؤلمة التي تقوي تياراتهم ولو تطلب الأمر إعلان الانسحاب الشخصي من الحياة السياسية أو رفض الترشح خاصة في الانتخابات الرئاسية.



الحديث عن توحيد أحزاب الوسط مطلب مهم لأطياف سياسية وحقوقية وإعلامية على أمل أن يرتقي إلى مستوى يكون فيه قوة توازن مع "النهضة" والمجموعات التي تدعمها، لكن أي وسط ومن يتحالف مع من؟



فالقوة الصاعدة الآن في "تيار الوسط" هي قوة المجموعات التي تريد أن تستظل بالظل البورقيبي، والتي يقودها رئيس الوزراء المتخلي الباجي قائد السبسي، وهي مجموعات تحاول الاستفادة من ارتباك الحكومة الحالية وقلة خبرتها ومن مخاوف دوائر حقوقية ورجال أعمال وفئات شعبية على مكاسبهم في ظلها.



قوة هذا القطب ليس في رهانه على الإرث البورقيبي وإنما في تجميع الغاضبين على حكومة النهضة، وخاصة الغاضبين على الثورة، ممن كانوا في الحزب الحاكم السابق أو المستفيدين منه والذين يتخوفون من فتح ملفات المحاسبة وكسر احتكارهم لبعض القطاعات والخدمات، يضاف إليهم جزء من التونسيين أصبح مقتنعا بأن الأحزاب الأيديولوجية لا تقدر على بناء الدولة وإدارتها وأن عودة "البورقيبيين" أهون الشرين.



قطب الباجي قائد السبسي يلقى دعما من أحزاب وسط اليسار (الذي يبحث له عن دور ما في هذا القطب) والجمعيات الحقوقية والمدنية والنقابية الغاضبة من طريقة إدارة "النهضة" للدولة وتخوفها على "قيم الحداثة" والمكتسبات المدنية بالبلاد، وتخوفها من أن تحقق الحكومة بعض النجاح فتستمر في السلطة بعد الانتخابات، كما تلقى "البورقيبة" دعما كبيرا من قطاع الإعلام الذي لوحظ فيه احتفاء خاص بمبادرة السبسي وبشخصيات شريكة له في السعي لاستعادة مجد "البورقيبية".



لكن الحكومة الحالية قد تضع منغصات أمام هذا الصعود البورقيبي من خلال سن قانون يمنع على من تحملوا مسؤوليات في الحزب الحاكم السابق الترشح للانتخابات، وهو ما يتم الترويج له إعلاميا وسياسيا من أنصار الأحزاب المشكلة للحكومة.



وعموما، فإن الأحزاب الذكية هي التي تربط مصيرها بالمواطن وتقترب منه فتعرف بنفسها وتقدم له رؤيتها للحلول أما حصر الصراع في دائرة الشعارات وتصفية الحسابات بين الفرقاء فيزيد من عزلة الأحزاب ويباعد بينها وبين القواعد الانتخابية الباحثة عن الاستقرار الأمني قبل الخبز في أحيان كثيرة.



مختار الدبابي



كاتب وإعلامي تونسي

الثورة نكأت جروح المعارضة التونسية.. اليسار يترنّح والقوميون تائهون



النهضة بين السلفية و المدنية

لم تهتز الأنظمة وحدها في الثورات التي شهدتها بعض الأقطار العربية، بل امتد لهيب النار إلى المعارضات بمختلف مشاربها لتجد نفسها في مواجهة وضع تهربت منه طويلا، وهو المشاركة في السلطة وترك مقعد المعارضة لأشخاص آخرين بعد أن ظلت عقودا كثيرة بمهمة واحدة تقتات منها، وهي تسقّط أخبار الأنظمة وأخطائها والتشهير بها.



التونسيون يتطلعون الى انتخابات ترسم مستقبل البلاد

في ظاهر الصورة، تجد المعارضات في تونس ومصر، مثلا، في حالة استبشار بما جرى، لكن في ما وراء الصورة ثمة إحساس كبير بالخوف من تغير الدور والمهمات.. لقد كان تحبير البيانات أمرا سهلا ومريحا ونتائجه مضمونة في استقطاب الناس وتحويل قيادات الأحزاب إلى رموز وطنية.

أما الآن فالمطلوب تقديم الفعل على الكلام، والبرهنة بالمشاريع والأفكار على أن المعارضات هي فعلا البديل الحقيقي لأنظمة الاستبداد والفساد التي تركت بلدانها قاعا صفصفا.



ورغم أن معارضاتنا إلى الآن تواصل مهمتها القديمة في جلد الأنظمة وتوسع قائمة أنصارها والمتعاطفين معها بالنبش في سجلات من سقط من الحكام وفضائح أسرهم وحاشيتهم، فإن لحظة الحقيقة الجديدة ستكون مع الانتخابات التي تفترض من الأحزاب أن تقدم أفكارها وبدائلها لإنقاذ البلاد من حالة الفوضى والتأسيس لمرحلة الاستقرار.

جلد الأنظمة لن يكون ذا جدوى لأن الأحزاب التي كانت تسندهم تم حلها، كما في تونس، أو هي في طريق الحل القانوني والشعبي كما في مصر، والمنافسون في الانتخابات لديهم قصص وحكايات مع القمع والسجن وإنْ بدرجات متفاوتة.



ومرد الإحساس بالخوف لدى أحزابنا العربية هو أنها ظلت نصف قرن أو يزيد وهي تتكلم وتستعيد نفس الخطاب والمفردات التي تصلح لكل زمان ومكان من دون أن تختبرها ولو لحظة في الواقع العملي بما في ذلك داخل تنظيماتها. فالديمقراطية مثلا التي يتبناها الجميع في خطابهم التبشيري اليومي ليس هناك مؤشرات على أنها تطبق في الداخل، ذلك أن قيادات أغلب الأحزاب العربية تحتكر الرئاسة والأمانة العامة والمكاتب السياسية والتنفيذية منذ عقود وتعلل هذه الاستمرارية بالحصار والتضييق والمطاردة، وهي تنافس الأنظمة في ما تتهمها به كالديمقراطية الشكلية والرئاسة مدى الحياة وظاهرة التوريث.





راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة

والتوريث لدى المعارضة ليس توريث الأبناء وإنما توريث المريدين والمقربين للرئيس أو الزعيم التاريخي، وهو ما يفسر سرعة الانشقاق والتشظي وتكوين أحزاب صغيرة تستجيب لكاريزما الأشخاص، وهذا يحدث خاصة في الأحزاب اليسارية العربية.



ومن حسن الحظ، أو ربما من سوئه، بالنسبة إلى الأحزاب العربية أن استثمار نتائج الثورات لم ينته إلى انقلاب عسكري أو أمني يعيد إنتاج الديكتاتورية، وإنما انتهت اللعبة بين مختلف المتدخلين إلى القبول بتجربة الانتقال الديمقراطي والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.

الانتقال الديمقراطي يعني بداهة تقييم حجم الأحزاب بمختلف عائلاتها الفكرية والأيديولوجية الكبرى، واختبار قدرتها على التلاؤم، ولو على مستوى الخطاب، مع انتظار الشارع، أو المناورة في إقناعه بأنها الأقرب إلى تحقيق مطالبه في النهوض.



لقد حققت الثورة التونسية الفرصة للجميع كي يلتقوا بالناس من دون خوف أو مطاردة وسحبت عنهم رداء المظلومية والتباكي من القمع، وليس أمام الأحزاب إلا أن تستثمر الفرصة كي تخرج من دائرة الكتب والدفاتر القديمة وتتحول إلى أدوات للتغيير المجتمعي تحت أعين الناس.

وسنأخذ، هنا، حالة المشهد التونسي مجالا لقياس استعداد الأحزاب للمساهمة في مرحلة الاشتراك بالسلطة سواء من بوابة الحكم أو عبر بوابة المعارضة.



الإسلاميون وصدمة السلطة على طبق

في تونس، كما في مصر وليبيا واليمن وسوريا، تضع استطلاعات الرأي وتحاليل الخبراء الإسلاميين في مقدمة من سيختارهم الشعب في أي انتخابات تتحقق فيها النزاهة والشفافية، لكن هذه الحظوة يمكن أن تنقلب إلى عامل خوف يقض مضاجع قياداتهم من سلطة تأتيهم على طبق من فضة.

مختلف الاستطلاعات التي تسبق انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تونس (23 أكتوبر 2011) تضع حركة النهضة في مقدمة الفائزين رغم أن القانون الانتخابي وضع أمامها عقبات كبيرة لتحول دونها والحصول على الأغلبية، وقد صادقت عليه من دون احتجاج بل شجعت بعض حلفائها على القبول به.





نشاط لافت لحزب التحرير في تونس

والسرّ في الحكاية أن القانون الانتخابي سيحول دون توريطها في الحكم لوحدها وهو يفترض وجوبا وجود “توافق” أو “تحالف” ما لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو اتخاذ أي قرار مستقبلي، وهكذا تهربت النهضة علنا من السلطة رغم تناقض هذا الموقف مع موقف شهير وصادم لزعيمها التاريخي الشيخ راشد الغنوشي.

يقول الغنوشي في نقد خفي للموقف الغالب في مؤسسات النهضة ولدى قيادتها البراجماتية “على الحركة الإسلامية أن تغادر مواقع الحذر والانكماش مما ورثته من عهود القمع المديدة المؤلمة وأن تفتح أعينها على العالم الجديد وأن تنخرط في أمواج شباب الثورة وتمضي معه بدل أن تعيقه بهواجسها”.



ويضيف الرئيس الحالي لـ”النهضة” الذي وعد بترك هذا المنصب خلال المؤتمر القادم للحركة محددا موقع الحركات الإسلامية وفي قلبها “النهضة”: “عليها أن لا تشارك بأي وجه في تزييف إرادة الشعب ولو بتحجيم نفسها عمدا فذلك شكل آخر من صور التزييف. كل حزب في العالم يخوض معاركه الانتخابية بقصد تحقيق أعلى مستويات النجاح إلا الحركة الاسلامية العربية فتبدو – بأثر الماضي الأليم- مرتعبة من النجاح ، تحجّم نفسها وتصّاغر… (إنه) أمر مؤسف. ليترك الشيوخ المنهكون مواقعهم للشباب يمضون بالثورات الى منتهاها بلا زيف ولا تصاغر في ضرب من قتل النفس”.



وفضل الغنوشي المفكر على “النهضة البراجماتية” أنه أزاح عنها الحرج ودفعها إلى مغادرة منطقة المنزلة بين المنزلتين في قضية مصيرية بالنسبة إلى تونس، وهي قضية الحزب الذي يحتكر الكلام والإفتاء والتأويل باسم الدين، وذلك بتبني التحول إلى حزب مدني ذي خلفية إسلامية على شاكلة حزب العدالة والتنمية في تركيا.

والأمر يعني، هنا، تأجيل الحديث عن تطبيق الشريعة و”أسلمة المجتمع” والنهوض بدور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتخاذ موقف اجتهادي صادم في قضية تعدد الزوجات، وهذا يدخل في سياق المقاربة التي أسس لها الغنوشي، وهي أن الأولوية تكون لإقامة دولة الحريات وليس دولة الشريعة.



لكن النهضة التي تتكون معظم قيادتها من مهندسين وأطباء وجامعيين في اختصاصات علمية لا تهتم كثيرا لهذه المسائل، وهي تناور لتكون فضاء جامعا لـ”النهضة السلفية” التي يمثلها بعض الشيوخ التاريخيين والأئمة والشباب الذين تتلمذوا على الفضائيات الدينية ولـ”النهضة المدنية” التي تتبنى القبول بحرية الرأي والمعتقد والحريات الشخصية، وهي مدعوة إلى أن تقبل فرضية نقد الدين والمس من المقدسات في وسائل الإعلام المخالفة، وأن تتحمل وجود اللباس المتحرر، والإفطار في رمضان، وظهور التبشير إلى العلن.

ونتوقع أن تنشطر “النهضة” إلى “نهضتين” بعد الانتخابات التي وحدت الصفوف في مواجهة “يسار حاقد” و”علمانية استئصالية”.





السلفيون.. استعراض للقوة

*نهضة أولى سلفية، أو لنقل إسلامية، تدافع عن تطبيق الشريعة وتتحالف مع التيار السلفي الصاعد بقوة رغم تواضع آلياته الفكرية والحجاجية، ومع حزب التحرير الذي يتبنى القراءة الحرفية للنصوص ويضع هدفه الاستراتيجي إقامة الخلافة، ومع مجموعة “الدعوة والتبليغ”، وتكوين حلف محافظ.

*ونهضة ثانية مدنية ستتحالف آليا مع اليسار الإسلامي (المنضوي راهنا تحت حزب الإصلاح والتنمية) ومع قطاع واسع من المستقلين الإسلاميين الذين يمثلون ثقلا كبيرا في الساحة ونشط الكثير منهم في النهضة ثم خرج عنها لأسباب عدة أهمها غياب الديمقراطية الداخلية، وتهميش المقاربات الفكرية والثقافية، وخاصة محاولة إرضاء الأفكار المتناقضة داخلها بمواقف غامضة تحتمل التأويل ونقيضه، بالإضافة إلى تحالفات ممكنة مع قوى ليبرالية ووطنية غير أيديولوجية.



ولا شك أن “النهضة المدنية” ستجد سندا لدى شرائح واسعة من الشارع التونسي المتدين ولكن بمواصفات مذهبية وسطية ومنفتحة على الآخر، ثم بمواصفات شارع يريد أن يعيش في أجواء ليبرالية لا تُحصي عليه أنفاسه وتتدخل في تفاصيل حياته، وهذا الشارع باعتقادنا هو الذي يمثل 60 في المائة من التونسيين الذين لم يحسموا أمرهم في التصويت لأي طرف أياما قليلة قبل الانتخابات.



وبالخلاصة، فإن التيار الإسلامي ذا الحضور الشعبي الكبير حتى وإنْ تحالف داخل المجلس التأسيسي وحاز أغلبية مريحة، فإنه سيشهد خلال الأشهر القادمة صراعا فكريا مذهبيا كبيرا سيجعله ينقسم إلى مجموعات بعضها سيختار الجلوس على الربوة تماما مثل المرجئة ويقتصر دوره على إصدار الفتاوى التي تكفّر هذا الشق وذاك ويحرّض أتباعه على المزيد من التشدد والانغلاق والانفصال على المجتمع، وبعضها الآخر سيختار دخول معترك الحياة السياسية والمشاركة في السلطة وسيجد نفسه بمرور الوقت يتحول إلى تيار مدني محلي (تونسي) يحمل لواء خدمة الناس.



اليسار.. التطور المستحيل

إذا كانت حركة النهضة، مسنودة بالتفاف مجموعات إسلامية من حولها، قد دخلت الصراع السياسي الراهن بإرث نضالي في مواجهة النظام السابق ما أكسبها تعاطفا لافتا، فإن جزءا لا بأس به من اليسار التونسي اختار أن يظل في خدمة نظام بن علي أو في أحسن الأحوال في موقع أنا لست معك أو لست ضدك، وهي وضعية ساهمت في انسحاب الكثير من قواعده وتراجع شعبيته وإنْ حاول البعض أن يتجاوز هذه الوضعية باستعادة الشعارات الثورية القديمة والمزايدة على الخصوم.



وهنا يقول الكاتب اليساري مصطفى القلعي في مقال له بعنوان “تنادٍ إلى قراءات نقديّة لواقع اليسار التونسي – مسؤوليّة اليسار قبل الثورة وبعدها” واصفا سلبيات “انفتاح” اليسار على بن علي “لقد نجح الحكم النوفمبريّ في تفتيت اليسار وفي سلبه أحلامه في المشاركة السياسيّة. لقد غدر به بكلّ بساطة. ووجد اليسار نفسه في عنق الزجاجة، إذ عليه أن يبرّر اختياراته ومواقفه وممارساته وسقطاته في أحضان بن علي لروّاده ومريديه ومناضليه” (موقع الأوان – 12 آيار 2011).



وبالإضافة إلى إحراجات الموقف التاريخي من مؤازرته بن علي في القضاء على خصوم أيديولوجيين (الإسلاميين)، فإن إرباك اليسار التونسي يأتي من حالة التشظي الداخلي والانقسامات المتعددة والمتواصلة قبل الثورة وبعدها ما يفقد هذه الكتلة الأيديولوجية فاعليتها السياسية والاجتماعية وقدرتها على منافسة القطب الإسلامي والدخول معه في صراع فكري وسياسي يدفع بالاثنين معا إلى التطور والتخلص التدريجي من الشعارات “الثورية” التي تخفي إحساسا واهما بامتلاك الحقيقة والقدرة على قيادة البلاد دون حاجة إلى وفاق أو تنازلات متبادلة.





صورة لن تراها الا في تونس لفتاة محجبة من أنصار حزب العمال الشيوعي

ولعل تهرب اليسار من فتح حوار فكري شامل مع الإسلاميين والقوميين على السواء ناجم بالأساس، عن إحساس بأزمة ما في العلاقة بالهوية العربية الإسلامية، فأغلب اليسار التونسي إلى ما قبل الثورة كان يعتبر الهوية العربية الإسلامية عاملا ثانويا يمكن تهميشه، وموقفه هذا كان المبرر الرئيس لتحالفه مع بن علي أو لنقل استنجاد بن علي باليسار لخوض معركة الاجتثاث أو “تجفيف المنابع”.



وكانت البداية مع المناضل الحقوقي محمد الشرفي الذي استقطبه الرئيس السابق وزيرا للتربية فقاد عملية إصلاح التعليم بهدف أساسي هو صرف الناشئة عن كل ما هو ديني لضرب النهضة بالنسبة إلى بن علي ولمحاربة “أفيون الشعوب” بالنسبة إلى “مناضلي” اليسار.

ثم فتح الأستاذ الشرفي الباب واسعا أمام “مناضلي” اليسار ليقودوا “لجان التفكير” في نظام بن علي المكلفة بمواجهة الظاهرة الدينية بما في ذلك بعدها التعبدي اليومي (خاصة الصلاة).



والصدمة الآن أن اليسار الذي كان يدعم جهد بن علي في محاصرة الديني وضربه بكل حزم في مختلف المؤسسات، تغير موقفه فجأة فأصبحت الأحزاب اليسارية بمختلف خلفياتها التروتسكية والروسية والماوية والألبانية تطالب “النهضة” بألا تتاجر بالمشترك الوطني، أي الإسلام.



لم تتم مراجعات يسارية حقيقية في العلاقة بمسألة الهوية وخاصة الدين، والانقلاب المفاجئ ناجم عن اللعبة السياسية التي استغرقت هذا التيار طويلا وحالت دونه واستثمار نقاط الضوء الكثيرة في منظومته الفكرية منها ما تعلق بالحداثة، والعدالة الاجتماعية ومحاربة الرأسمالية، والمثير أنك لا تسمع الآن زعيما يساريا تونسيا ينتقد اقتصاد السوق ويطالب بالاقتصاد الموجه وعودة الدولة للعب دورها التاريخي في التحكم بمختلف الآليات الاقتصادية والاجتماعية.

هل ثمة مراجعة ما لليسار التونسي تخلص فيها من فكرة الاقتصاد الموجه وتبنى اقتصاد السوق المعدل ونهوض الدولة بدور الرقيب؟



هذه المراجعات لم تصدر بعد ولم نقرأها ولا سمعنا بها!

وواضح أن اليسار يضع نصب عينيه لعبة السياسة واتجاهاتها بمنطق البراجماتية، وهنا يقول مصطفي القلعي في ذات المقال سالف الذكر:

“إنّ العجب والاندهاش ليصيباننا ونحن نرى اليسار التونسيّ مستمرّا على النهج نفسه رغم التحوّلات العاصفة التي شهدها المجتمع التونسيّ منذ مطلع سنة 2011. فمن الغريب أن يسير اليسار دائما دون أن يلتفت إلى الوراء قليلا، ودون أن يتشوّف الآتي. إنّه لا يرى إلاّ بين قدميه. وهو يتوهّم أنه يتقدّم. فهو يبدي هوسا عجيبا بالممارسة السياسيّة؛ السياسة باعتبارها مصالح ومكاسب وتحالفات خفيّة وعلنيّة غايتها في النهاية الوصول إلى الحكم”.



ويضيف “لم يتناد اليسار إلى الحوار والنقاش بين أطيافه. بل إنّه أصرّ على خلافاته التي ورث أغلبها من الحياة الطلابيّة في مختلف الأجزاء الجامعيّة منذ سبعينيّات القرن الماضي. نرصد هذه الحال ونحن نراقب الدعوات الفاترة التي يتبادلها زعماء اليسار السياسيّ لتكوين جبهات سياسيّة استعدادا لخوض المحطّات الانتخابيّة القادمة”.



التيار القومي.. في البحث عن مكان تحت شمس الثورات

أزمة هذا التيار في تونس، ونعني أساسا التيار الناصري، تبدأ من كونه لا يظهر في الساحة إلا في حالة الانفراج السياسي، وحين الأزمات يختفي تماما ولا تظهر منه إلا بعض البيانات المتباعدة في الزمن، وحين يظهر إلى العلن سرعان ما تتقاذفه الانقسامات المرتبطة أساسا بزعامة الأحزاب، ويكفي الإشارة هنا إلى الاندماج بين فصيلين قوميين هما “حركة الشعب” و”الحركة الوحدوية التقدمية” وتشكيل حركة الشعب الوحدوية التقدمية لتعبر عن وجهة نظر التيار وتتقدم باسمه في انتخابات المجلس التشريعي، لكن سرعان ما استقال المنسق العام للحركة المحامي بشير الصيد وتتالت معها استقالة الكثير من القيادات الوسطى في مختلف المحافظات التونسية.

واتهم الصيد عناصر من القيادة (ما يطلق عليهم خصومهم مجموعة الوافدين، محامون ونقابيون) بكونها تصرفت خارج الشرعية في ربط تحالفات سياسية خاصة مع حركة النهضة في ما يتعلق برفض فكرة الاستفتاء لتحديد صلاحيات المجلس التأسيسي ومدته.

وفسر بعض المراقبين استقالة الصيد بأنها تدخل في سياق صراع الزعامات بين الجيل القديم والجيل الجديد لهذا التيار كما تأتي امتدادا لتقييمات نوعية في العلاقة بما جرى في ليبيا وسوريا، حيث يرى “الوافدون” أن هذه الأنظمة لا تمثل المشروع القومي بل هي تتناقض مع مصالحه الاستراتيجية، وهو موقف قابله شق آخر بالمعارضة الشديدة خاصة في ما يتعلق بليبيا/ القذافي التي كانت للتيار القومي علاقات قوية معها باعتبارها نموذجا قوميا.





تونس بين الدولة الدينية والدولة المدنية

وعلاقة التيار العروبي الناصري بالأنظمة القومية هي النقطة المركزية في واقع التيار ومستقبله، وهناك دعوات إلى قراءات مغايرة للتجارب القومية يتمسك خلالها التنظيم باستقلاليته الفكرية والسياسية تجاه هذه التجارب، بمعنى أنه يدافع عن الإيجابي فيها ويتخلى عن السلبي وينتقده ويدعو إلى تجاوزه.

فالأنظمة القومية فشلت فشلا ذريعا في قضية الديمقراطية، لا من حيث وسيلة وصولها إلى السلطة حيث جاءت كلها عبر الانقلابات، ولا من حيث أسلوب حكمها حيث بنت تجاربها على تضخيم الزعيم وتغييب المؤسسات وخوض معارك هامشية لا تعطي الانطباع الإيجابي على نموذج الحكم القومي في بناء التجربة المعبرة عن تطلعات مختلف الفصائل القومية الناصرية.



وباستثناء المواقف الممانعة في العلاقة بإسرائيل، وهي مواقف لم تُختبر على الأرض سوى في 1967 حيث منيت التجربة القومية بالهزيمة لسوء الإعداد والتقدير وتفوق الحلم الأيديولوجي على الحساب الدقيق للإمكانيات، فإن التجارب القومية لم تُعط النموذج الاجتماعي والاقتصادي ما يجعلها مرجعا تستند إليه الفصائل القومية في الاستقطاب السياسي.



وهناك معضلة أخرى لهذه الفصائل هي أنها تغلب الجانب القومي الوحدوي على القضايا القطرية، فحلولها للأمة تقف عند حدود يافطة الممانعة بما تعنيه من تضخيم لدور الأجنبي في التأثير والفعل واكتفائها بموضع المظلوم، وفي هذا السياق يقول الكاتب عبدالله القفاري في توصيف هذه الحالة: “أزمة هذا التيار، انه يبدو اليوم متحالفا بشكل أو بآخر، مع مشروع الممانعة وأزمته ايضاً انه تيار رفض لا تيار خلق واستنارة ومشروع، وأزمة هذا التيار انه يتوسل بحقيقة الظلم التاريخي وموازين اللاعدالة الدولية لكنه لا يقدم مشروعا يمكن الوثوق بملامحه، ولا يعترف بايجابيات مرحلة، ولا يحاول ان يستفيد من جملة تحولات يمكن استثمارها في صالح الإنسان” (– جريدة الرياض – 28 آذار 2005).



لكن لا بد من الاعتراف أن الساحة القومية في تونس بدأت تفكر في الاتجاه المحلي من خلال تحول التنظيم إلى قوة نقابية في ساحة المحاماة (انتخابات الهيئة الوطنية للمحامين، وانتخابات الفروع)، وفي ساحة التعليم الابتدائي والثانوي بعد أن كان جزء هام من هذه الساحة يردد بافتخار شعار القذافي الشهير “التمثيل تدجيل” في إشارة إلى مقاطعته للنقابات.



وهناك تطور آخر يخص كسر الجمود في العلاقة بالتيار الإسلامي، وهي علاقة تنوء تحت وطأة تاريخ من المواجهات بدءا بالتجربة الناصرية (مصر) وصولا إلى حماة 1982 (سوريا)، وأبو سليم 1996 (ليبيا)، وهناك خطوات في اتجاه التحالف في المجلس التأسيسي بين حركة الشعب الوحدوية التقدمية وبين حركة النهضة والفصائل التي تتحالف معها بين أن ظل القوميون في تحالف طويل مع تيارات اليسار.



وهكذا، فإن الكتل السياسية الكبرى (باختلاف أحجامها وتنظيماتها) وجدت نفسها مضطرة إلى أن تشارك في عملية سياسية لم تكن تستعد لها، وهو ما نكأ جروحها وفضح تناقضاتها، وفتح لها السبيل، وهذا الأهم في اعتقادنا، نحو تطوير خطابها وممارستها وتجديد شبكة تحالفاتها وفق متطلبات المرحلة.



مختار الدبابي

17/10/2011

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

ثورة الحرية في تونس تعيد إنتاج سلطة القمع

First Published: 2012-04-10




ميدل ايست أونلاين





مختار الدبابي





ما أشبه اليوم بالبارحة..



تونس التي اجترحت طريق الثورات وفتحت الباب واسعا أمام شعوب عربية أخرى كي تنتفض ضد الاستبداد والفساد، هي نفسها تعيد إنتاج دولة الاستبداد في أشهر قليلة من تسلم حكومة النهضة للسلطة بعد انتخابات اتسمت بالشفافية والنزاهة وإنْ كانت نتائجها لم تعكس طبيعة التوازنات القائمة في البلاد.



ما الذي تغيّر كي تمارس قيادات، أفنت سنوات طويلة في السجون والمنافي من أجل لحظة حرية وكرامة، القمع المنظّم على مجموعات من الجماهير كان دورها مؤثرا في نجاح الثورة التي حررت الحكام الجدد وسلمتهم السلطة على طبق من ذهب؟



الإجابة عن السؤال قد يغلب عليها التردد والتبرير لدى هؤلاء الذين حبّروا منذ 1981، تاريخ تأسيس تنظيم الاتجاه الإسلامي الذي أصبح في ما بعد حركة لنهضة، مئات البيانات التي تحتج على القمع زمنيْ بورقيبية وبن علي.



لكنك، بالتأكيد ستجد في حلوق هؤلاء مرارة الخيبة لفشلهم في أول اختبار يثبت لمن شككوا طويلا في قناعتهم بالديمقراطية والذين قالوا لجماعة النهضة، زمن بورقيبة وبن علي وبعدهما، إن الفوز ديمقراطيا وعبر صناديق الاقتراع لا يعني أبدا أن تكون ديمقراطيا، فالديمقراطية منظومة رؤى وثقافة وليست مجموعة شعارات أو تمنيات.



المؤشرات الأولى لسلوك حركة النهضة التي اعتلت السلطة منذ أشهر في تونس تقول إن دولة الأيديولوجيا ستنتهي ضرورة إلى دولة قمع مثلما حدث في التجارب الاشتراكية وفي ثورة إيران، فحين تمارس السياسة وأنت مقتنع بأنك تمتلك الحقيقة وأن خصمك بالضرورة مخطئ (حتى لا نستعمل ترسانة التكفير والتخوين والوسم بالعمالة) يصبح التقييم صعبا.



فأنت لا تخطئ ولا تفشل ولا تحيد عن طريق الثورة ومبادئها، وإنما غيرك منْ لا يرى ولا يفهم، أو هو منْ يتآمر ضدك، ليفشل التجربة الطاهرة النقية التي تعبّر عن الله، وتكفي إطلالة هنا على ما يكتبه أنصار حركة النهضة والمجموعات المتعاطفة معها في الفيس بوك لتكتشف أن النهضة ليست حزبا سياسيا مدنيا مثلما يقول قانونها الأساسي وإنما هي صوت السماء الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه.



ليس جديدا أن نصل إلى نتيجة تؤبّن دولة الأيديولوجيا، لكن الجديد هو أن نصل إلى نتيجة تشكك في المصادرة التي تريد المصالحة بين الإسلام والديمقراطية، ولأن الإسلام إسلامات ومذاهب وقراءات وتأويلات، فليست مهمتنا نفي الديمقراطية عنه أو التقليل من شأن الديمقراطية قياسا إلى مقاربته، لكن ما يهمنا هو التساؤل حول ديمقراطية حزب إسلامي يحاول إقناع فئات محلية وخارجية بأنه ديمقراطي ومدني فإذا به يبني "الدولة الديمقراطية" الوليدة بالهراوات والغاز المسيل للدموع في أيامه الأولى بالسلطة.



ومن المهم التأكيد هنا أن النهضة استجابت سريعا لضغط الخصوم الذين شتتوا اهتمامها وأغرقوها في قضايا كثيرة وأفقدوها أعصابها فانخرطت في المواجهة من موقف الضعيف الفاقد للتجربة وسعة الصدر، وكان العنف ضد احتجاجات المعطلين عن العمل السبت (7 ابريل) ثم مسيرة التاسع من ابريل الاثنين علامة فارقة على أنها تتصرف كمجموعة حزبية يائسة وليس كحكومة ثورة تريد أن تؤسس لما هو دائم.



وليس مستبعدا أن يؤدي هذا العنف إلى انفراط جزء من التحالف الهش الذي بنته النهضة، ومؤشرات ذلك في تصريحات القيادي بحزب التكتل محمد بنور التي دعا فيها إلى فتح تحقيق حول ما جرى وخاصة حول المليشيات المدنية التي مارست العنف على المتظاهرين جنبا إلى جنب مع قوات الأمن باللباس الرسمي..



وإذا كانت الصورة في ظاهرها تعكس هشاشة النهضة وحكومتها في مواجهة الواقع، فهي تعكس، أيضا، قصورا في تعاطي المعارضات بمختلف مشاربها مع قضية الديمقراطية والحفاظ على الثورة.



فأن تدفع حكومة "منتخبة" إلى حافة الهاوية بكل الطرق يعني ببساطة أنك فكرت فقط في إرباك خصمك وتسجيل النقاط لحسابك الخاص في الانتخابات القادمة، لكنك لم تفكر في التجربة الديمقراطية ومآلاتها في محيط عربي ضعيف الصلة بالتعدد الحزبي وبالمؤسسات المنتخبة.



لا شك أن خصمك سيعمل على إرباكك بكل الوسائل لو فزت في الانتخابات القادمة وتجدد اللعبة المسلية معك ومعه، لكن الضحية في المشهد هي التجربة الديمقراطية التي ستفرغ من مضمونها وتصبح فقط عنوانا لمن يفوز في الانتخابات سواء بتوظيف المال السياسي أو الدين أو العشائرية والمناطقية.



بدا واضحا للعيان بعد ثلاثة أشهر من التجربة الديمقراطية الفتية في تونس أن الأحزاب تفكر فقط في المكاسب المباشرة وأن مستقبل التجربة ومنطق التراكم وبناء وفاق وطني يقوم على تنازلات مشتركة لإنجاحها مسألة لا تعنيها إلا من باب الاستهلاك الإعلامي والمزايدة السياسية.



الوفاق الوطني كان سيساعد مختلف الأحزاب على عملية التدرب على السلوك الديمقراطي بما يعنيه من ثنائية التجربة والخطأ في أجواء من الهدوء، والأهم أنه يوسع دائرة المشترك الوطني ويحول دون التهديدات التي تمت في المدة الأخيرة للحريات العامة والخاصة وإثارة النقاش حول مكاسب قانونية ومدنية تضع تونس في مرتبة متقدمة عربيا.



إن العنف الذي مارسته قوات الأمن مساء الاثنين ضد نشطاء سياسيين وحقوقيين، ومتظاهرين مطالبين بالحق في العمل، ومتخوفين على انحراف الثورة بعودة المحسوبية واحتكار الحزب الحاكم للإدارة، هو جرس إنذار لمختلف ألوان الطيف السياسي في تونس داخل الحكومة وخارجها بأن الثورة التي خطفت أنظار العالم يمكن أن تفقد بريقها وترتد على شعاراتها بيسر إذا استمرت حالة الاستقطاب الثنائية ومنطق تصفية الحساب السياسي.



وهناك مؤشرات على أن الحل ممكن من خلال عمليات التوحيد التي تتم بين أحزاب الوسط ذات الخلفيات الليبرالية واليسارية حول قواسم مشتركة، وهي عمليات يمكن أن تتوسع إذا تخلت الأحزاب (وغالبيتها بأحجام صغيرة) عن عقلية الزعامة والمحاصصة وفتحت الباب أمام مجموعات أخرى وشخصيات وطنية مستقلة.



وقيمة عمليات التوحيد لا تكمن فقط في توسيع حجم جبهة الوسط لتنافس النهضة في انتخابات قادمة وإنما وأساسا لأنها تجمّع شرائح مجتمعية حول مواقف وقضايا مصيرية وتدير حولها حوارا واسعا حتى يكون الانتخاب في المحطات القادمة على البرامج والمشاريع القابلة للتحقق وليس حول الشعارات أو الهوية والدين.



فهل تتدارك الثورة التونسية نفسها عبر خلق ميزان قوى جديد يؤسس لوفاق واسع ويحقق الحرية والكرامة، أم يظل المشهد قابلا للاشتعال؟


كاتب وإعلامي تونسي



الاثنين، 17 يناير 2011

أيها التونسيون احموا انتفاضتكم وحكموا صوت العقل

مختار الدبابي*

أثبت الشعب التونسي أنه يحب الحياة، دون أن تقف هذه الحياة عند الخبز والماء والوظيفة، ولذلك خرج بالآلاف إلى الشوارع باحثا عن نقلة نوعية في واقع البلاد تضمن له الحق في العمل والحرية؛ الحرية الشخصية وحرية الرأي والإعلام والتعددية السياسية ودفاعا عن النزاهة في مواجهة الفساد والمحسوبية.
هناك تفاعل كبير وواسع في مختلف الأقطار والعواصم بما تحقق من جرأة وصمود وقوة لهذا الشعب الذي يعيش الأيام الأخيرة على وقع الحلم والأمل.
ولأن نشوة الفرح لا ينبغي أن تمتد زمنا طويلا، فإن التونسيين مطالبون بأن يفكروا في البناء والمحافظة على البلاد وإعادة الحياة إلى الحركة التجارية والاقتصادية وتفعيل الإدارة لأجل أن تحمي مصالح الناس والتنبه سريعا إلى أن حالة الفراغ السياسي والإداري والأمني قد تهدم الكثير من مكاسب الشعب ومواطن العمل الحاصلة حاليا.
وهناك من التونسيين من يطالب بإعلان سريع لعودة الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم وفتح أبواب الوزارات والبلديات ومختلف المؤسسات الخدمية لأن غيابها يهدد بسقوط الدولة وتلاشيها ويشرّع للفوضى بدل أن يقطع الطريق عليها.
وهناك تخوفات واسعة من أن تواصل الفراغ قد يؤدي إلى افتقاد السلع التموينية مثلما تشي به الطوابير على الخبز والدقيق، وهذا الفراغ مؤشر سيء على توسع البطالة وافتقاد آلاف الوظائف الجديدة من بعض القطاعات الحساسة.
فالسياحة التي هي مورد رزق مئات الآلاف من المواطنين مهددة بشكل جلي في ظل مخاوف السياح الأجانب والشركات المنظمة للرحلات السياحية من تطورات الوضع الأمني وغموض الأفق السياسي في البلاد، بالإضافة إلى الشركات الأجنبية التي تستثمر بتونس وتشغّل عمالة كثيرة، وإذا استمر العنف واتسعت دائرة الفوضى فإنها قد تبدأ في مراجعة وضعها.
كما أن دول الجوار التي كانت تونس عنوانا للأمن والاستقرار بالنسبة إلى مواطنيها، يذهبون إليها للسياحة والتجارة والتمتع بالخدمات الصحية المتطورة، هذه الدول لا شك أنها ستراقب ما يجري في تونس بقلق، وهو ما عبّر عنه القائد الليبي معمر القذافي في كلمة وجهها مساء السبت إلى الشعب التونسي.
ويحتاج هؤلاء جميعا إلى طمأنة من الشارع ومن المعارضة ومن الحكومة الانتقالية بأن تونس ستواصل انفتاحها على الخارج والإيفاء بالتزاماتها وعلاقاتها إقليميا ودوليا، ولا شك أن أفضل طمأنة لهؤلاء أن تدافع الطبقة السياسية الجديدة في تونس عن خطاب الاعتدال والانتقال المرحلي الهادئ نحو ديمقراطية المؤسسات.
يضاف إلى هذا أمر مهم جدا، وهو الرهان على الكفاءات المختصة وتسليمها مهام التصحيح والتطوير سواء أكان ذلك في الحكومة أو في بقية المؤسسات المرتبطة بالوزارات، وهذا يعني أن يتم توزيع المسؤوليات وفق الحاجة الوطنية وليس في صيغة المحاصصة الحزبية، وفي هذا السياق يتخوف الكثير من التونسيين أن تعود آفة المحسوبية التي طردوها بالمظاهرات العارمة من بوابة الأحزاب والحركات السياسية التي ستكون طرفا في الحكومة الانتقالية أو في الحكومة التي تتشكل في الأشهر الأخيرة.
وإننا ندعو الله أن تؤول الأوضاع في تونس إلى الهدوء وأن يقطف التونسيون ثمرات نضالهم بشكل سلمي وأن يكون الحوار طريقهم الوحيد إلى البناء، ونود هنا أن نوجه نداء إلى الدول العربية المختلفة وإلى الجامعة العربية كي يدعموا تونس في هذه اللحظة التاريخية المهمة ويعينوا أهلها على إعادة الاستقرار وعودة مختلف مؤسسات الدولة إلى سالف نشاطها.
يكفي العرب سلبية وفرجة، فإذا لم تؤازر الأمة التونسيين في الوصول إلى الاستقرار وتخلت عن أمانيهم في الحرية ومحاربة الفساد، فإنها تضعهم أمام المجهول وتفسح الطريق لمختلف التنظيمات الباحثة عن توتير الوضع الأمني في هذا البلد الذي لا يمكن أن يعيش دون استقرار واعتدال، فهما عملته الوحيدة إلى الخارج وبوابته إلى التنمية.
سلبية العرب تجاه تونس قد تفتح الباب لـ"قاعدة المغرب الإسلامي" كي تتسرب إلى البلد وتمارس الخطف والقتل والتفجير العبثي وتدفع البلاد إلى حرب أهلية، وستكون النتائج وخيمة ليس فقط على تونس بل على محيطها كله.
ولهذا، فإننا ندعو الجامعة العربية إلى أن تتجاوز مرحلة المراقبة والمتابعة من بعيد وأن تدخل على الخط لمساعدة التونسيين على إعادة بناء مؤسساتهم ونزع الخوف من الصدور..
وفي الأخير نوجه نداء إلى التونسيين جميعا من مختلف الأحزاب والحركات: احموا انتفاضتكم وحكموا العقل كي تصلوا بها إلى بر الأمان، واحذروا الانتقام والترويع فهما بوابة النهاية لأي حلم مهما دفعتم لأجله من تضحيات.

*افتتاحية العرب 17 – 1 - 2011

الأحد، 26 ديسمبر 2010

مصر تنهض بمهامّ التطبيع مع المشاريع الأمريكية

مختار الدبابي*

لم تكن زيارة أبو الغيط "المفاجئة" إلى بغداد للقاء مسؤولي حكومة المالكي مفاجئة لمتتبعي حركة السياسة المصرية في السنوات الأخيرة، فمصر الرئيس حسني مبارك اختارت أن تكون العرّاب الرئيسي الذي يتولى تعريب المشاريع الأمريكية، أي يجعلها مطلبا عربيا تتبارى الأنظمة لتنفيذها وإنجاحها وكأنها مشاريع تخدم الأمة وتراعي مصالحها الراهنة والاستراتيجية.

والتطبيع المصري مع حكومة الاحتلال الخامسة في العراق لم يكن الخطوة الوحيدة التي خطاها النظام المصري تجاه العراق، فمصر كانت من أول الدول التي بادرت إلى كسر الحصار الدبلوماسي عن الحكومة التي شكلتها الأطراف المتحالفة مع الاحتلال وأرسلت سفيرها إيهاب الشريف الذي اغتيل بعد ذلك واضطر مختلف الأقطار إلى مراجعة انفتاحها الدبلوماسي على العراق في ظل الاحتلال.

بعد ذلك احتضنت القاهرة مؤتمرا لـ"المصالحة" حضرته أطراف طائفية كثيرة وتم استدراج أطراف أخرى نأت بنفسها عن العملية السياسية، وكانت الغاية توسيع حزام "الشرعية" الطائفية من حول الاحتلال، بالإضافة إلى جر "الدول المانحة" وخاصة دول الخليج والاتحاد الأوروبي إلى الاستثمار في العراق على أمل تحقيق سلام يجعل الاحتلال أمرا عاديا بل ويجعل منه حكما بين مختلف ألوان الطيف السياسي المذهبي والطائفي، على أن تكون الاستثمارات الكبيرة رشوة للعراقيين كي يقبلوا بالأمر الواقع مقابل توفير الوظائف.

لكن كل تلك الأحلام ذهبت مهب الريح خاصة مع موجة الفساد الواسعة التي ضربت العراق تحت الاحتلال وعمليات النهب المنظمة التي تتولاها إلى الآن المجموعات الطائفية المرتهنة للاحتلال من جهة ولإيران من جهة أخرى.

كما أن مصر قادت صحبة السعودية حملة مذهبية واسعة لشيطنة إيران والتركيز على دورها في العراق، وجاءت هذه الحملة بعد أن شعرت واشنطن أن طهران تتحكم في العراق عن طريق أطراف مهمة في الحكومة التي توهم الاحتلال الأمريكي طويلا أنها صنيعته وتابعة له.

وكان لا بد من حرب إعلامية واسعة قادتها القاهرة والرياض وعواصم أخرى صغيرة واستولدت لها فضائيات تخصصت في الحرب على الشيعة ومعتقداتهم وتكفيرهم، ومن ثمة تكفير الحكومة القائمة في طهران، ولما قررت واشنطن أن توقف حملتها على طهران اختفت تلك الفضائيات سريعا.

إن التطبيع الدبلوماسي المصري الجديد سيكون ولا شك مقدمة لتطبيع عربي أوسع مع "العراق الجديد" والغاية هي اختراق الهيمنة الإيرانية على العراق خاصة على وزارات السيادة والمؤسسات التي لها علاقة بالأمن والنفط، وذلك من خلال الاستجابة لحاجيات الحكومة الراهنة في مهمة بناء "العراق الجديد"، وهي حاجيات كثيرة وواسعة بعد أن هدم الاحتلال والمليشيات كل شيء في بلد كان مثالا عربيا على التطوير والتحديث.

وقد عرض أبو الغيط في لقاء له مع هوشيار زيباري أن تنهض "مصر بخبرتها وتجربتها الغنية" بمهمة "بناء القدرات العراقية للوزارت والمؤسسات"، وواضح أن الوزير المصري الذي افتتح قنصلية لبلاده في أربيل، كاعتراف رمزي بشرعية الدعوات الكردية للانفصال وتكوين "دولة كردستان" مثلما "تفهمت" جهود الانفصال في السودان، أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد، فمن ناحية يعيد مئات آلاف المصريين للعمل بالعراق وينقذ النظام المصري من أزمته الخانقة ومن ناحية ثانية يؤدي واجب الولاء والطاعة للإدارة الأمريكية التي كلفت بلاده بتسهيل جهود التفتيت والتشطير من ناحية ومحاصرة قوى الممانعة والمقاومة في الأمة.

وفي ظل استمرار المساعدات الأمريكية المشروطة، وصمت واشنطن على الديمقراطية المفرغة التي تتبناها القاهرة رغم الاحتجاجات الواسعة والخروقات القانونية الكثيرة، والرضا الأمريكي الخفي على حالة الفساد الواسعة، فإن مصر تواصل النهوض بدورها بحماس وجدية لا مثيل لهما تعكسهما رمزية القتل اليومي الذي يتولاه الأمن المصري ضد الأفارقة الذين يحاولون التسلل إلى إسرائيل.

ودلالات هذا السلوك أن مصر لم يعد يعنيها كثيرا أن تكون الدولة المحورية التي تنهض بمهمة القيادة والسبق السياسي والاقتصادي في الأمة، وهي الآن إنما تتحرك بعقلية قطرية صرف، بل ومن مصلحة النظام الذي يريد أن يحافظ على وجوده ومكاسبه في ظل التوازنات الدولية القائمة، وهي توازنات تخدم أولا وأخيرا المصلحة الأمريكية.

وفي ظل هذه السياسة نفهم سر الإصرار المصري على محاصرة قطاع غزة حصارا تاما لا يقبل الاختراق أو التنفيس، والانحياز المكشوف ضد حزب الله ودوره في لبنان كقوة مقاومة يمكن أن تزعج إسرائيل أو تهدد أمن "شمال إسرائيل".. وهي مهام حراسة يبدو أن مصر صارت تتشرف بها وتناضل للحفاظ عليها.

* نص افتتاحية صحيفة "العرب" (18 - 12 - 2010)

من أغرق السودان: «الإنقاذ» أم التآمر الخارجي؟

مختار الدبابي

دأبنا على ربط أزماتنا بالمؤامرة الخارجية من أجل استمرار الواقع كما هو، واحتفاظ القوى المستفيدة من الأزمات بالمزايا القائمة. لا أحد يُنكر الدور الفاعل الذي يلعبه التدخل الخارجي في تثبيت حالة التخلف والاستبداد ودفع المنطقة ككل نحو التفتيت وتكوين كانتونات جديدة على أنقاض الدولة القطرية التابعة التي يبدو أنها لم تعُد تفي بالغرض أمريكيا، لكن التدخل الخارجي لا يمتلك الفاعلية القصوى إلا بتحقق شروط موضوعية داخلية تمثل أرضية مثلى له.

وفي الملف السوداني، مثلا، تتحقق الشروط الذاتية/ الموضوعية التي سمحت للقوى الخارجية بالتدخل في مختلف الملفات السودانية وانتهت أخيرا إلى فرض التقسيم عبر الاستفتاء الذي هو في الظاهر عملية ديمقراطية حرة، لكنه في العمق دليل على غياب الديمقراطية وارتفاع صوت السلاح على حساب صوت المؤسسة المدنية المنتخبة.

الكثير من ديمقراطيات الأنظمة العربية، وكتابات المثقّفين تحت الطلب، تحصر الممارسة الديمقراطية في جلب الناس إلى صناديق الاقتراع وفي الإعلان عن النسب المرتفعة كدليل على المشاركة الشعبية؛ وفي الحقيقة فإن هذه "الديمقراطية" لا تعدو أن تكون مسرحية للتضليل وتثبيت سلطة الأحزاب الحاكمة.

السودان نموذج عن هذه الديمقراطية المضللة التي أعطت الحكومات المتعاقبة والرؤساء الذين تداولوا على السلطة "بالانقلاب ثم أكسبوا أنفسهم "الشرعية" الديمقراطية لاحقا" صلاحيات الاستمرار في التعاطي الخاطئ مع الأزمات السودانية المختلفة.

أزمة السودان الكبرى أن حكوماته ورؤساءه فشلوا جميعا في فهم طبيعة هذا الكيان الواسع والمتعدد دينيا وعرقيا، وحكموا البلاد دائما كشماليين وليس كسودانيين، وفرضوا اللغة العربية و"الشريعة" "بما هي عقاب وأداة أخلاقية لتثبيت السلطة ليس إلا"، وخلقوا بالتالي الأرضية الشعورية الحقيقية التي غذت الرغبة في الانفصال لدى أبناء الجنوب ولدى مختلف الأقاليم المرشحة للانفصال.

وبالنتيجة، فإن السوداني الذي يشعر أن اللغة العربية والشريعة "ومن ورائهما الانتماء القومي، أو الإسلامي" أدوات لتثبيت وضعه في الهامش بمنعه من الوظيفة ومنع المنطقة التي ينتمي إليها من المشاريع التنموية والخدمات الأساسية، خاصة حين تكون غنية بالنفط أو المعادن وتوظف السلطة في الشمال عائدات هذه المعادن في شراء السلاح الذي تجلد به أهلها بدل أن تحارب به الفقر والجوع والأمية.

وواضح هنا أن السلطة الشمالية "منذ الاستقلال" لم تتعامل مع مختلف ألوان الطيف الديني والعرقي في السودان وفق قيمة المواطنة ولم تؤسس لقيمة الانتماء الوطني في قلوب الناس، وإنما قسمت البلاد من حيث لا تدري "وربما تدري وتمارس الأمر عن قصد" إلى أوطان كامنة في الصدور وحين تحين اللحظة تُعبّر عن نفسها ولا تجد ضيرا في أن تتعاون مع الشيطان لتحققها.

وهنا، لا يبدو الأمر ذكاء أمريكيا ولا إسرائيليا في دفع الجنوب نحو الانفصال واللعب على حالة الإحساس بالضيم والدونية لدى أهله في "السودان الموحّد"، بل إنهما استثمرا أخطاء جماعة "الإنقاذ" التي أغرقت السودان بدل أن تُنقذه..
ولنا عودة..

صحيفة العرب -27-12-2010
من أغرق السودان: «الإنقاذ» أم التآمر الخارجي؟



مختار الدبابي

دأبنا على ربط أزماتنا بالمؤامرة الخارجية من أجل استمرار الواقع كما هو، واحتفاظ القوى المستفيدة من الأزمات بالمزايا القائمة. لا أحد يُنكر الدور الفاعل الذي يلعبه التدخل الخارجي في تثبيت حالة التخلف والاستبداد ودفع المنطقة ككل نحو التفتيت وتكوين كانتونات جديدة على أنقاض الدولة القطرية التابعة التي يبدو أنها لم تعُد تفي بالغرض أمريكيا، لكن التدخل الخارجي لا يمتلك الفاعلية القصوى إلا بتحقق شروط موضوعية داخلية تمثل أرضية مثلى له.

وفي الملف السوداني، مثلا، تتحقق الشروط الذاتية/ الموضوعية التي سمحت للقوى الخارجية بالتدخل في مختلف الملفات السودانية وانتهت أخيرا إلى فرض التقسيم عبر الاستفتاء الذي هو في الظاهر عملية ديمقراطية حرة، لكنه في العمق دليل على غياب الديمقراطية وارتفاع صوت السلاح على حساب صوت المؤسسة المدنية المنتخبة.

الكثير من ديمقراطيات الأنظمة العربية، وكتابات المثقّفين تحت الطلب، تحصر الممارسة الديمقراطية في جلب الناس إلى صناديق الاقتراع وفي الإعلان عن النسب المرتفعة كدليل على المشاركة الشعبية؛ وفي الحقيقة فإن هذه "الديمقراطية" لا تعدو أن تكون مسرحية للتضليل وتثبيت سلطة الأحزاب الحاكمة.

السودان نموذج عن هذه الديمقراطية المضللة التي أعطت الحكومات المتعاقبة والرؤساء الذين تداولوا على السلطة "بالانقلاب ثم أكسبوا أنفسهم "الشرعية" الديمقراطية لاحقا" صلاحيات الاستمرار في التعاطي الخاطئ مع الأزمات السودانية المختلفة.

أزمة السودان الكبرى أن حكوماته ورؤساءه فشلوا جميعا في فهم طبيعة هذا الكيان الواسع والمتعدد دينيا وعرقيا، وحكموا البلاد دائما كشماليين وليس كسودانيين، وفرضوا اللغة العربية و"الشريعة" "بما هي عقاب وأداة أخلاقية لتثبيت السلطة ليس إلا"، وخلقوا بالتالي الأرضية الشعورية الحقيقية التي غذت الرغبة في الانفصال لدى أبناء الجنوب ولدى مختلف الأقاليم المرشحة للانفصال.

وبالنتيجة، فإن السوداني الذي يشعر أن اللغة العربية والشريعة "ومن ورائهما الانتماء القومي، أو الإسلامي" أدوات لتثبيت وضعه في الهامش بمنعه من الوظيفة ومنع المنطقة التي ينتمي إليها من المشاريع التنموية والخدمات الأساسية، خاصة حين تكون غنية بالنفط أو المعادن وتوظف السلطة في الشمال عائدات هذه المعادن في شراء السلاح الذي تجلد به أهلها بدل أن تحارب به الفقر والجوع والأمية.

وواضح هنا أن السلطة الشمالية "منذ الاستقلال" لم تتعامل مع مختلف ألوان الطيف الديني والعرقي في السودان وفق قيمة المواطنة ولم تؤسس لقيمة الانتماء الوطني في قلوب الناس، وإنما قسمت البلاد من حيث لا تدري "وربما تدري وتمارس الأمر عن قصد" إلى أوطان كامنة في الصدور وحين تحين اللحظة تُعبّر عن نفسها ولا تجد ضيرا في أن تتعاون مع الشيطان لتحققها.

وهنا، لا يبدو الأمر ذكاء أمريكيا ولا إسرائيليا في دفع الجنوب نحو الانفصال واللعب على حالة الإحساس بالضيم والدونية لدى أهله في "السودان الموحّد"، بل إنهما استثمرا أخطاء جماعة "الإنقاذ" التي أغرقت السودان بدل أن تُنقذه..
ولنا عودة..

صحيفة العرب -27-12-2010

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010

ويكيليكس يجلد السلطة: هل انتهى دور عباس؟

مختار الدبابي*

من البداية لم نغتر بـ"لعبة" ويكيليكس التي راح صانعوها يصفّون الحساب مع الأقطار العربية وقياداتها ومؤسساتها وقضاياها بشكل منظم وموجّه.

ورغم إيماننا بالدور الكبير الذي تلعبه التكنولوجيا في تفاصيل حياتنا ما يجعل الحصول على المعلومة مهْما كانت صعبة أو سرية أمرا ممكنا وسهلا، ومن ثمة لم يكن مفاجئا لنا نظريا أن "يسرق" جندي مجهول ملايين الوثائق الأمريكية ويسلمها إلى مالك موقع ويكيليكس، لكننا لم نصدق "براءة" التسريبات ولم نقتنع أن الجندي العادي لم يحصل إلا على وثائق تجلد العرب وتقدم بعض زعمائهم في صورة من يعمل ضد شعبه وأمّته فيما ظلت إسرائيل خارج التسريبات، وبدت الإدارة الأمريكية (الراهنة والسابقة) هي من يتحكم في المشهد الدولي كله.

إن نظرية المؤامرة تفرض نفسها، هنا، إذا نظرنا إلى المشهد في شموليته، أي بعيدا عن الشماتة في هذا النظام العربي أو ذاك، وإذا لم نغرق في التفاصيل وتصفية الحساب والنظر أمام أنوفنا.

فالهدف الكبير للتسريبات لم يكن إدانة أنظمة عربية غارقة في الفساد أو تعمل جاهدة من أجل تحقيق الأجندة الأمريكية في المنطقة حتى دون أن تطلب الإدارة الأمريكية ذلك، وإنما تقديم الأمة في صورة سيئة ما يُعطي الانطباع لكل العالم أن هذه الأمة تستحق ما يلحق بها من غزو وحصار ومؤامرات.
ومن ثمة إعطاء مشروعية للحرب الأمريكية على "الإرهاب" واحتلال العراق وتشطير السودان، ثم وأساسا إعطاء "مشروعية أخلاقية" للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ومختلف استتباعاته (إفراغ القدس المحتلة من أهلها الشرعيين، توسيع الاستيطان..).
في هذا السياق، جاءت "التسريبات" الأخيرة لويكيليكس هادفة إلى تصفية السلطة الفلسطينية والاستهانة برموزها والتحريض عليها من خلال كشف علاقتها بالعدوان على غزة نهاية 2008، والتركيز على المراحل المتقدمة التي قطعها التنسيق الأمني بين الاجهزة الأمنية للسلطة والدوائر الأمنية الصهيونية.
وهي رسالة دقيقة في مرحلة دقيقة؛
فالسلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها الرئيس محمود عباس، اكتشفت بعد ما يُقارب العقدين من التفاوض والتنازلات المؤلمة والمجانية أن إسرائيل تفاوض لأجل التفاوض وربح الوقت وليس في نيتها الاعتراف بأي دولة فلسطينية ولو على شبر واحد من الأرض، واكتشفت السلطة من ثمة أنها مجرد لعبة في لعبة أكبر وأوسع مدى، ولذلك سمعنا الرئيس محمود عباس يهدد بالانسحاب والاستقالة في أكثر من مرة، لكنه كان يتراجع تحت ضغوط أمريكية مصرية على وجه الخصوص.
وبالنتيجة، فإن القراءة الإسرائيلية الأمريكية انتهت في هذا السياق إلى نتيجة رئيسية، وهي أن زمن عباس قد انتهى ولا بد من سلطة جديدة تكون قادرة على تقديم المزيد من التنازلات دون سقف ولا ضوابط، وسيكون عرابوها من داخل السلطة ذاتها ممن تمتلك عليهم الدوائر الإسرائيلية ملفات في الفساد والتآمر على شعبها، أو من بين المنظّرين للسلام الاقتصادي الذي يعني ببساطة الأكل مقابل الأرض.
وحين تتوفر الشروط الموضوعية لتشكل "السلطة البديلة" سيُسمح للرئيس محمود عباس أن يستقيل بـ"كرامة" و"عزة نفس"، أو سيُعطى الأمر لـ"المؤسسات الديمقراطية" الفلسطينية أن تقيله (خاصة أنه لم يعُد رئيسا من وجهة نظر قانونية ودستورية) أو تدعو لانتخابات "سابقة لأوانها".
ومن المهم، هنا، الإشارة إلى أن تسريبات ويكيليكس "البريئة" قد تعمّدت تحقيق أهداف جانبية أخرى ستساعدها في الوصول إلى مرحلة "السلطة البديلة"، وأهمها إضعاف حركة فتح ودفع أعضائها ومتعاطفيها إلى أتون الصراع والخلافات الحادة وإعادة الحركة إلى مراحل قديمة كانت قطعت معها وساد فيها خطاب التخوين والعمالة والمزايدة حول الوطنية.
وإضعاف فتح أو شق صفوفها يعني آليا إضعاف أحد أهم مكامن القوة لدى الشعب الفلسطيني (رغم حالة الاختطاف التي تعيشها)، يضاف إليها توسيع دائرة العداء بين القوى والفصائل الوطنية المؤثرة خاصة بعد التسريبات الأخيرة عن التنسيق الأمني التي أعطت حركة حماس الفرصة كي تهاجم فتح بقوة.
ومن ثمة نجحت إسرائيل عبر ويكليكس في أن توسع هوة الخلافات بين الحركتين وتئد ما تبقى من آمال ضعيفة في فرص نجاح جهود المصالحة الوطنية.
ولا بد من التذكير هنا بالتحريض الذي مارسته تسريبات ويكليكس واستهدفت به حزب الله وسلاحه وعلاقته المفترضة بإيران وسوريا، وهو تحريض متماه في الأهداف مع التسريبات الأمريكية الفرنسية السابقة له عن قرار محتمل يصدر عن المحكمة الدولية يورط حزب الله في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، والهدف من وراء هذا كله هو توفير الشروط الموضوعية لمحاصرة الحزب ونزع سلاحه وإعطاء "مبررات" لحرب إسرائيلية مفاجئة ضده.
وفي سياق آخر من وجوه التوظيف الفج والمفضوح التي تمارسها الأطراف التي تقف وراء "تسريبات" ويكيليكس نشير إلى ما جاء من اتهام للرئيس السوداني عمر البشير من سرقة مليارات الدولارات ووضعها بأحد الحسابات الخاصة بالخارج، وهو تسريب يهدف إلى الضغط على البشير حتى لا يكون عقبة أمام عملية الانفصال في الجنوب، وهي عملية تراهن أمريكا على تمريرها بكل السبل في سياق خططها الاستراتيجية لتفتيت الأمة إلى دويلات قزمية ستكون تابعة ومرتهنة للاستعمار الجديد بالضرورة.
وهكذا، لم يكن مفاجئا أن تختص "تسريبات" ويكيليكس بالعرب لتوجد الأرضية اللازمة لمواصلة ابتزازهم والتآمر عليهم.

* نص افتتاحية العرب العالمية (22 – 12 - 2010)

الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010

نجاد يملأ الفراغ العربي

مختار الدبابي*

لا شك أن الأوساط الرسمية العربية لم تكن تتصور أن تبلغ الجرأة بالرئيس الإيراني أحمدي نجاد حد زيارة الجنوب اللبناني والمبيت به في ضيافة حزب الله، أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي مرمى السلاح الإسرائيلي الذي يرعب "المعتدلين" العرب ويخافون من مجرد ذكره فما بالنا بالتفكير في الاحتجاج عليه أو التصدي له..
فهذه الخطوة التي توصف عربيا بالمغامرة غير المحسوبة العواقب تكشف عن ثقة عالية بالنفس لدى القيادة الإيرانية وترسل برسائل كثيرة في اتجاهات مختلفة نأمل أن نقرأها نحن العرب ونحسن التعامل معها، ومن هذه الرسائل الإيرانية المشفرة التي جاءت زيارة نجاد لتزيح الستار عن علاماتها ودلالاتها؛
أولا؛ أن طهران التي تقول إنها تتحدى أمريكا وإسرائيل هي تفعل ذلك عمليا وتغالب الوقت لتكون جاهزة للمواجهة المرتقبة وأنها لا تبيع الكلام والشعارات، بل تصنع الصواريخ والمقاتلات والسفن الحربية، وليس في أجندتها تكتيك ولا مناورة يقودان إلى مفاوضات تجلب لها الذل والمهانة لشعبها.
ثانيا؛ أنها صارت رقما إقليميا لا يمكن التغاضي عنه أو تناسي مصالحه في حل أي قضية بالمنطقة، بدءا بالملف اللبناني الذي يمثل حزب الله الحلقة الأهم فيه والطرف الرئيسي الذي يستطيع أن يضمن الاستقرار ويصدّق على التفاهمات والاتفاقيات التي تتم في بعض العواصم العربية بالوكالة ولحساب الغير..
مرورا بالعراق الذي أصبح الدور الإيراني فيه مفصليا ولم تُفد معه الأدوار الخفيفة التي تنهض بها مصر أو السعودية في محاولة لـ"تعريب" الحل خدمة لأمريكا ومحاولة لإخراجها من الأزمة الخانقة وتسهيل انسحابها "المشرف" من بلاد الرافدين..
ووصولا إلى فلسطين حيث أصبحت الفصائل المقاومة تتعلق بالدعم الإيراني كقشة نجاة وحيدة عساها تتصدى للبيع العلني للقضية الذي نهضت به بعض العواصم العربية عبر بوابة مفاوضات السلام الكارثية.
ثالثا؛ الرسالة الإيرانية الجريئة تقول لإسرائيل إن طهران لا تمزح وأن أي غارة إسرائيلية مجنونة على منشآتها النووية مثلما تم سنة 1982 مع مفاعل تموز العراقي لن تمر بلا ثمن سريع وجاهز ومكلف، ولا شك أن إسرائيل ستقرأ الرسالة جيدا خاصة وقد خبرت حرارة رد حزب الله في حرب 2006، وتعرف أن صواريخه ستنطلق على المدن والقرى التي تريد تل أبيب أن تجعلها "يهودية خالصة" بعد أن طردت أهلها سنة 1948 و1967 وتريد إخراج من بقي ثابتا وتحمّل القهر والإذلال والعنصرية.
رابعا؛ نجاد الذي نام البارحة هانئا في ضيافة السيد حسن نصر الله كأنما أراد أن يقول للإدارة الأمريكية إن إيران هي الطرف الوحيد في المنطقة الذي لا مفر من التفاوض معه حتى تحقق واشنطن أجنداتها، فأذرعها العسكرية والسياسية موجودة في لبنان والعراق واليمن، وهي جاهزة للتعاون كما هي جاهزة للحرب.
ولقد استعانت أمريكا بالدعم الإيراني في غزو أفغانستان وخاصة في غزو العراق حيث قدمت طهران خبراتها ووظفت إمكاناتها في الإطاحة بحكم الرئيس صدام حسين واشتركت مع الأمريكيين في تصفية القيادات العسكرية والأمنية والسياسية للعراق وفتحت البلاد لهم ولها ولعملائها على الفوضى والفساد والتهريب.
خامسا؛ والرسالة الإيرانية الأهم التي حملتها زيارة نجاد كانت موجهة للعرب ومفادها أن طهران لن تكتفي بالعراق ولبنان واليمن بل سيصل تأثيرها إلى غزة والسعودية والكويت والبحرين وشمال أفريقيا، وأنها ستملأ الفراغ الذي تركه النظام الرسمي العربي بعد أن تخلى عن القضايا القومية وصار يخوض معارك الأمريكيين بوجه مفضوح.
إن إيران تستفيد بشكل جيد من السلبية الكبيرة التي تتعاطى بها الدول العربية الكبرى و"المعتدلة" مع مختلف القضايا، فماذا بيد حماس أن تفعل إذا كانت مصر تتولى مهمة حصارها وتجويعها ومنعها من مقاومة الاحتلال سوى أن تمد اليد للمال الإيراني، وكيف يمكن أن يكره الشارع العربي طهران إذا كانت تدعم حزب الله بالسلاح والتدريب والمال ليتصدى لإسرائيل ويطردها من لبنان ويحرر أراضيه؟
والمؤسف أن الدول العربية "المعتدلة" لا تحارب إيران إعلاميا ولا تسعى لقصقصة أجنحتها في لبنان وغزة والعراق رفضا لدورها الطائفي بالعراق أو لبنان، ولا انتصارا للأمة أو للمذهب السني أو لزوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما استجابة للرغبة الأمريكية وانخراطا مجانيا في حرب واشنطن المفتوحة (سياسيا واقتصاديا وإعلاميا) على طهران، وإلا أين كانت الآلة الإعلامية "العربية" حين وضعت إيران اليد في اليد مع أمريكا في احتلال العراق وتدميره وضرب وحدته الوطنية، ألم تفتح الكويت والرياض والدوحة أراضيها أمام القوات الأمريكية كي تدخل "آمنة" أرض العراق؟
إن بعض الزعامات العربية لا تُفكّر إلا في اللحظة الراهنة وتريد من الاصطفاف المجاني وراء الإدارة الأمريكية تحقيق أهداف خاصة كفرض التوريث أو تصفية بعض الخصوم السياسيين، لكن هذه اللعبة ستكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل الأمة وعلى مستقبل هذه الأنظمة ذاتها، فالحرب بين أمريكا وإيران إما أنها ستدخل المنطقة في حالة من الفوضى الأمنية وهو ما سيعيد المنطقة إلى نقطة الصفر ويضرب المكتسبات التي حققتها ويغذي الإرهاب والعنف ولن تحقق هذه الأنظمة منها شيئا بل ستكون أول المتضررين، وإما أن تؤول الحرب إلى منتصر (طهران أو واشنطن) يتحكم في رقاب العرب ونفطهم وخيراتهم ووقتها لن يجد بعض الزعماء المتحمسين لضرب إيران خدمة للمشروع الأمريكي أي حظوة سوى التذلل والمسكنة .
إن رسائل نجاد التي رمى بها في وجوه الأمريكيين والإسرائيليين و"المعتدلين" العرب فرصة هامة ليقف العرب على الحقيقة ويعيدوا حساباتهم الآنية الضيقة ويفكروا في المستقبل.

* نص افتتاحية العرب العالمية (14 - 1 - 2010)

استهداف حزب الله: خنق لإيران أم استئصال للمقاومة؟

مختار الدبابي*

ليس هناك شك في أن ثمة مسرحية تعدها المحكمة الدولية الخاصة بقضية الحريري تنتهي فيها إلى اتهام حزب الله بالوقوف وراء الجريمة، وهو اتهام ممكن بل وأكيد لما خبره العرب عن بعض المنظمات التي تزعم أنها تعبّر عن القانون الدولي وتدافع عنه، وهي في الحقيقة أداة بيد الولايات المتحدة تمارس عبرها التضليل والابتزاز وتُمرر عبرها مشاريعها وخططها في محاصرة القوى التي يمكن أن تُعيق تمددها الاستعماري وهيمنتها على مقدرات الشعوب.
والأمثلة هنا كثيرة، وعلى رأسها المسرحية التي بررت غزو العراق بزعم أنه يمتلك أسلحة "محرمة" دوليا، ليتضح أن الاتهام قام على النية المبيتة وعلى مؤامرة اشتركت فيها الوكالة الذرية للطاقة والاستخبارات الأمريكية وبعض الأنظمة العربية "المعتدلة"، والقصة وما فيها أن العراق رفض أن يدخل بيت الطاعة الأمريكي وأن يهب نفطه وخيراته بأرخص الأثمان إلى قوى الاستعمار الجديد كما يفعل جيرانه العرب.
والقصة ذاتها تجري مع الرئيس السوداني عمر البشير الذي تطالب المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله بدعوى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لكن الحقيقة أن الرجل رفض أن يكون عرّابا لتفتيت بلاده أو وضع نفطها تحت القبضة الأمريكية.
ولا شك أن الحرب الإعلامية المفتوحة على حزب الله والتسريبات التي تبرز هنا وهناك عن دور مزعوم له في اغتيال الحريري لا تعدو أن تكون جزءا من ذات اللعبة، أي تحضير الشروط السياسية والإعلامية والقانونية اللازمة لضرب هذا الحزب سواء بحرب خارجية تتولاها إسرائيل أو من خلال توتير الوضع الداخلي ودفع اللبنانيين إلى حرب أهلية جديدة تستنفد إمكانيات الحزب وتقلّص من دائرة التعاطف الشعبي معه، وهي دائرة كبيرة وواسعة خاصة أن غالبية اللبنانيين تعترف لهذا الحزب المقاوم بالفضل الكبير في تحرير الأرض وطرد الاحتلال الإسرائيلي سنة 2000 ثم هزمه في معركة شرف كبيرة سنة 2006.
وإذا كانت لحظة استهداف حزب الله قادمة لا محالة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: مع من سيقف العرب؟
وهذا السؤال عنده مشروعية لدى الكثيرين، فهناك قناعة لدى طائفة من الجمهور العربي بأن الحزب لا يعدو أن يكون ذراعا إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة وبوابة تفاوض وابتزاز على حساب القضايا العربية، محتجين بالدور المتآمر الذي لعبته إيران في غزو العراق والدعم الواسع الذي وفرته للقوات المحتلة.
وباعتقادنا أن التعامل العربي مع حزب الله يجب أن يغادر دائرة الحسابات الضيقة، لأن استهداف حزب الله وتصفية إمكانياته المقاومة الهدف الاستراتيجي منه هو ضرب القوى التي تُزعج إسرائيل وتهدد أمنها سواء تعلّق الأمر بحزب الله أو حماس أو الجهاد، تماما مثلما وقع الأمر مع حركة فتح سنة 1982 التي تم تشتيت مقاوميها في المنافي ولم تعُد إلا بعد أن اختارت قيادتها التخلي عن المقاومة ودخلت إلى مظلة التفاوض والاستسلام.
إن القوى الحية في الأمة سواء أكانت أحزابا أو حركات سياسية أو قوى فكرية وإعلامية أو جمهورا مطالبة بأن تنسى الخلافات المذهبية والتفاصيل الثانوية وتنحاز إلى حزب الله وتدعم وقوفه في وجه الصلف الأمريكي والصهيوني لأن نجاح الأعداء في هزمه عسكريا أو تجريده من السلاح يعني آليا فتح الباب أمام إسرائيل كي تتولى تصفية القضية الفلسطينية بالأسلوب الذي تريد، وفرض التطبيع على دول المنطقة بالشروط التي تضمن تفوقها الاستراتيجي.
بعد تصفية حزب الله أو تحجيم دوره سيأتي الدور على حماس والجهاد ومختلف المجموعات التي ما تزال تؤمن بالمقاومة ولو نظريا، ولا يبقى للأمة من خيار سوى التسليم بالأمر الواقع، ولا يمكن بأي حال أن تنخدع القوى الحية في الأمة باللعبة الإعلامية التي تتولاها بعض الأنظمة العربية والتي تريد أن تغيّر طبيعة الصراع وتجر الجميع إلى أتون الصراع المذهبي والطائفي لتصبح المعركة مع إيران بدل أن يتعمّق وعي أمتنا بالعداء لإسرائيل باعتبارها صنيعة امبريالية أريد لها أن تتولى منع العرب من خوض معارك التنمية والتطوير والتحديث وامتلاك ناصية العلم.
إن دول "الاعتدال" العربي التي تُحرّض على حزب الله وتُحرض على حماس، كما حرضت سابقا على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ليس لها من دور أو مهمة سوى تنفيذ الأجندات الأمريكية دون تفكير في المضار التي ستلحق بأمتهم بل وبأقطارهم وأمنها واقتصادها ومستقبلها.. هذه الأنظمة لا يهمها سوى الحفاظ على السلطة وضمان انتقالها بشكل سلس بين أفراد العائلات المستفيدة من بيع الذمة للأمريكيين والإسرائيليين.
وهكذا فإن استهداف حزب الله حتى وإن كان ضربة أمريكية موجعة لإيران، فهو في صميمه استهداف للأمة وقواها المقاومة وستكون له تداعيات خطيرة على المستقبل القريب والبعيد.

* نص افتتاحية العرب العالمية (24 - 11 - 2010)

الاستعمار الجديد يلعب ورقة مسيحيي الشرق

مختار الدبابي*

أعادت عملية احتجاز الرهائن في كنيسة "سيدة النجاة" ببغداد والمجزرة الدموية التي تلت اقتحامها من قبل القوات الأمريكية والعراقية إلى الواجهة وضع مسيحيي العراق ومن ورائهم مسيحيو الشرق ككل، وهناك تركيز في وسائل الإعلام الأجنبية على أنهم مستهدفون في هذه اللحظة، ولكن لماذا؟ ومن يستهدفهم؟
ونود من البداية التأكيد على أن المسيحيين والمسلمين في الوطن العربي، ورغم ما بينهم من اختلافات دينية، عاشوا قرونا طويلة في تعايش مبني على الاحترام الديني والاعتراف بحق الآخر في العبادة والعمل والمواطنة وإن اختلفت التسميات.
وحالة العداء الإسلامي المسيحي لم تكن موجودة في فترة الاستعمار ولا في العقود الأولى لتشكل الدولة الوطنية، بل إن أسماء بارزة من المسيحيين ساهمت في تأسيس القومية العربية والتنظير لها ما يعني أن المسيحيين كانوا في قلب الجهد القومي والوطني من أجل التحرر وبناء الدولة الوطنية الحديثة، فمتى إذن صعدت إلى الواجهة قضية مسيحيي الشرق؟
الصعود الأول لهذه القضية كان إبان الحرب الأهلية في لبنان، وهي حرب دينية وطائفية في ظاهرها لكن الأحداث كشفت عن دور كبير فيها للاستعمار بوجهيه؛ القديم والجديد، ففرنسا كانت مورطة وأمريكا وإسرائيل دخلا طرفا في القضية وحاولا توظيف مجموعات مسيحية في معركة لي الذراع مع سوريا، وهذه الحرب خسر فيها المسيحيون كما خسرت بقية مكونات المجتمع اللبناني بأوجهها الطائفية المختلفة.
أما مسيحيو العراق فالجميع يشهد أنهم عاشوا طيلة عقود الدولة العراقية الحديثة وخاصة في ظل حكم البعث كمواطنين مثلهم مثل الأكراد والشيعة والسنة، وهذه التسميات والأوصاف الطائفية لم تكن موجودة أصلا في قاموس هذا البلد الذي عامل أبناءه على قدر كامل من المساواة وبعدل ونزاهة.
وما يؤكد هذا هو وجود السيد طارق عزيز في وزارة الخارجية العراقية حيث كان صوت العراق إلى الخارج والمعبر عن عدالة قضيته، وهو شخصية وطنية نموذجية وعنوان صادق على تلك المساواة..
لكن التمييز ضد مسيحيي الشرق لم يظهر إلا مع الاحتلال الأمريكي هذا الذي أطلق أيدي المليشيات الطائفية والمذهبية تنهش لحم البلد بكل مكوناته، ومثلما تعرض المسيحيون للتهجير والقتل فقد تعرض جزء من شيعة العراق إلى القتل العبثي وتمارس ضد سنة العراق أشكال كثيرة من التمييز والقهر والإذلال.
لو كان الاحتلال الأمريكي مدافعا عن المسيحيين كما يسوّق لذلك الإعلام الغربي كذبا وبهتانا لما سلّم هذا الاحتلال طارق عزيز المسيحي الوطني الشريف إلى المليشيات الطائفية الحاكمة لتمارس عليه التعذيب والإذلال وتحكم عليه بالإعدام في مسرحية قضائية ساذجة.
إن إثارة تصعيد قضية مسيحيي العراق إلى الواجهة الإعلامية الغاية منها البحث عن تعاطف الشارع الغربي مع الاحتلال، خاصة أن الامبراطورية الأمريكية سقطت سقوطا أخلاقيا مدويا وتمرغت صورتها في الوحل بعد أن اكتشف العالم، وخاصة الشارع الأمريكي والأوروبي، أن الحرب على العراق قامت على أكاذيب..
فضلا عن أن الاحتلال داس خلالها على كل المواثيق والقيم الإنسانية ومارس التعذيب في أبشع صوره وفتح العراق مشرعا أمام الفساد والنهب وحوّله من بلاد للحضارة إلى غابة يداس فيها على كل القيم النبيلة.
من المهم أن يحذر مسلمو الشرق تماما مثل مسيحييه من أن الامبراطورية الامبريالية تريد أن تُفتت الأمة إلى دويلات قزمية، وهي مثلما وظفت العداء التاريخي بين الشيعة والسنة في إثارة حرب أهلية بالعراق خلفت آلاف القتلى والجرحى والمشردين، ها هي الآن تحاول أن توظف المسيحيين في لعبتها القذرة لضمان تفتيت العراق والسودان وحتى مصر.
إن انفصال جنوب السودان عن شماله لا يمكن أن ينتهي إلى جنة بالنسبة إلى مسيحيي السودان، فأمريكا لا يعنيها من المسألة إلا أمر واحد هو تقسيم هذا البلد الذي ينهض على إمكانيات جغرافية وطبيعية هائلة إلى دويلات صغيرة لا تستطيع أن تعيش دون المظلة الأمريكية، وهو ما يجعل خيرات السودان الطبيعية والنفطية في قبضة أمريكا تفعل بها كما تشاء مثل ما تفعل الآن بخيرات الخليج العربي.
ومع الأسف، ومثلما اغتر بعض المسلمين العرب بالخطاب الأمريكي المضلل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتآمروا معها ضد بلدانهم، فإن بعض الأطراف المسيحية العربية (المصرية على وجه الخصوص) وضعوا أنفسهم في خدمة الامبراطورية الامبريالية واهمين أنها ستتدخل لفائدتهم وتفرض لهم مراكز متقدمة في صنع القرار وفي البرلمان وفي الإدارة وغيرها.
ليس أمام أبناء الأمة مهما كانت مذاهبهم وطوائفهم وأديانهم سوى مصير مشترك إما أن ينهضوا به معاً في سياق وحدة وطنية تقر حق الاختلاف وتنهض على مبدإ المواطنة، أو يسقطوا جميعا تحت الاستعمار في ثوبه الجديد، وهو استعمار أشد وقعا وأكثر عدوانية.

*نص افتتاحية العرب العالمية (2 - 11 - 2010)

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

إيران انتصرت في العراق.. ولو إلى حين

مختار الدبابي

كل الدلائل تقول إن إيران فرضت خيارها بالعراق وإن المالكي سيكون رئيس الوزراء القادم، وإن الإدارة الأمريكية أحنت رأسها للعاصفة وقبلت بالمالكي على مضض، وإنها ستتخلى عن علاوي مرشحا لرئاسة الوزراء؛ ومن ثمة سقطت وعودها لبعض الأطراف السنية التي قبلت بمظلة علاوي رغم اختلافها مع تاريخه وطبيعة برنامجه.
إيران أثبتت أنها لاعب قوي في العراق، ليس فقط من خلال فوز الأطراف التابعة مذهبيا وسياسيا لها مثل أحزاب: الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري والفضيلة، وإنما، أيضا، تميزت إيران بأنها نجحت في إدارة ملف العراق في سياق حربها السياسية والدبلوماسية مع الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية التابعة لسطوة البيت الأبيض.
فواشنطن توهمت أنها أجرت الانتخابات في العراق وفق مقاساتها، وأن النتائج ستسمح لها بالمرور إلى خطوة هامة في حربها ضد طهران، وهي خطوة تقليص قواتها من على الأرض والاكتفاء بأعداد محدودة في القواعد العسكرية مع توفير عشرات الآلاف من المرتزقة بغاية فتح باب الحرب على إيران دون أن تكون رقبة الولايات المتحدة على المقصلة.
وهذا يعني ألا يكون الأمريكيون بالعراق رهائن لهجوم إيراني محتمل، وأن يتولى المرتزقة "أو لنسمهم بالمصطلح الشائع العاملين في الشركات الأمنية" مهمة التعطيل والتخريب وتوتير الوضع الأمني، لكن الخطة الأمريكية كانت تفترض بالضرورة تشكيل حكومة عراقية "صديقة" تحوز القبول الإقليمي ويكون دورها الأساسي قصقصة أجنحة إيران في العراق وإلهاء الأطراف التابعة لها بقضايا ثانوية ذات تفاصيل تشريعية وقانونية ووقف هيمنتها على وزارات السيادة "الأمن، الجيش، المالية، النفط".
لكن المشروع الأمريكي مهدد بالسقوط في الماء مع التفوق الإيراني العالي في مجال المناورة وحبك التحالفات وقراءة بنود الدستور الذي صاغه بريمر على هواه وتركه مليئا بالمطبات، أو لنقل بوضوح إن إيران هي من مررت تلك المطبات ووضعت البنود الملغمة في طريقه، لكن بريمر، الكوبوي المغرور، وقع في المحظور من حيث توهم أنه وضع الدستور على المقاسات الأمريكية.
ورغم أن واشنطن حرّكت "صداقاتها" في المنطقة لدعم علاوي قبل النجاح في الانتخابات وبعدها، لكن السخاء السعودي و"الود" السوري لم يفلحا في تقوية علاوي والجبهة التي شكلها والصعود بها إلى هرم السلطة، بل إن هذه الجبهة مرشحة للانفجار الآن، خاصة مع تلميحات طارق الهاشمي في تصريحاته المختلفة بأن لا مشكلة له مع حكومة يشكلها المالكي.
والحقيقة التي تتخفى عن أعين البعض أن "قائمة" علاوي هي في عمقها قائمة سنية أضيف إليها بعض "العلمانيين" المرتبطين تاريخيا بأمريكا ودول "الاعتدال" الخليجي، وبعض البعثيين "التائبين" الذين وضعوا الساق في الركاب الأمريكي، وحاولت تقديم نفسها في صورة الجبهة غير الطائفية ملوحة بشعارات الوطنية، والعمق العربي، ومحاربة الطائفية.
وقراءتنا للاتجاهات الحدث أن الهاشمي هو من سيقرأ الفاتحة على روح هذه "القائمة"، فهذا الرجل ذو الخط الإخواني البراغماتي الذي يبحث عن "المصلحة"، ولو لدى الشيطان "الإيراني والأمريكي على السواء"'، سوف يدير ظهره لعلاوي وجماعته ويلتحق بحكومة المالكي، خاصة أن واشنطن ومن ورائها الرياض ستتعاملان مع الحكومة "الإيرانية" الجديدة وستحاولان اختبار فاعلية الوعود التي يقدمها السيد المالكي، وسيكون الهاشمي همزة الوصل المتقدمة بين الطرفين.
وبالنتيجة، فإن الخيار الإيراني هو الذي تحقق على الأرض، بقطع النظر عن تصريحات السيد المالكي ووعوده وتطعيمه للحكومة بوجوه "أمريكية" أو "سنية معتدلة" و"الجفاء" الذي قد تبديه مصر أو السعودية أو سوريا.
لقد سقطت مسوغات التهدئة التي قادت أطرافا سنية مقاومة إلى دخول لعبة التطمينات الخليجية الأمريكية والتي غيرت بوصلتها من أطراف مقاومة للاحتلال الأمريكي البريطاني إلى أداة أمريكية في حرب طائفية يعود ريعها لفائدة واشنطن في معركتها ضد طهران كقوة صاعدة إقليميا.
وسيكون مصير الصحوات، التعبيرة الأمنية للتقارب الأمريكي السني، مصيرا معقدا؛ ولن يقف الأمر عند منع إدماجها في قوات الأمن والجيش بل ستكون مناط استهداف مزدوج لوجودها من القوات "الحكومية" ذات الصبغة الطائفية الشيعية "المعبّرة عن مصالح طهران" من جهة أولى، ومن تنظيم "القاعدة" والتعبيرات السلفية الأخرى التي رفضت أن تسير في الركب الأمريكي من جهة ثانية واستمرت في المواجهة المفتوحة مع الوجود الأمريكي.
وبالتأكيد فإن كسر تحكم الصراع الأمريكي الإيراني في مختلف مفاصل اللعبة السياسية والأمنية وقيادته العراق، لن يتم إلا من خلال تشكل جبهة وطنية عراقية مقاومة للوجود الأجنبي بالعراق "الأمريكي والإيراني" سياسيا وإعلاميا وتُخرج للعالم الصورة العراقية كما هي، كحرب تحرير وطني، وليس كفضاء للاستقطاب الأمريكي الإيراني، أو جزء من الحرب الأمريكية على الإرهاب.

خطة أوباما.. النفط مقابل العراق!

مختار الدبابي

لا تكاد تسمع على أفواه رموز الإدارة الأمريكية الجديدة سوى كلمات حاسمة عن الانسحاب من العراق خلال 16 شهرا.. وتأتي هذه الكلمات غامضة مبهمة، فليس هناك حديث عن تفاصيل الخطة ولا الضمانات التي تطلبها الإدارة الجديدة من أجل هكذا انسحاب حتى خُيّل لبعض الحالمين العرب أن أوباما ذا الجنوبية/ الأصول الشرقية سيعيد إلى هذا الزمن الأمريكي الكولونيالي المتوحش بهاء قديما كان ابراهام لنكولن الأسود مثله قاد ثورة لأجل صنعه ولو إلى حين.
وما إن ظهرت الإدارة الأمريكية الجديدة حريصة على أن تتكتم على التفاصيل، كان نبهاء العرب يستنتجون أن هناك شيطانا ينام في تلك التفاصيل وأن الانسحاب الموعود لا يعدو أن يكون انسحابا ملغوما.. وكعادة الوافدين الجدد إلى البيت الأبيض، فإنهم وبعد أن يطلقوا الوعود بـ\"التغيير\" و\"الديمقراطية\" ويجعلوا العالم يحلم معهم بزمن أفضل، يعمدون إلى إطلاق التسريبات هنا وهناك التي يفهم منها العارفون بالطبائع الكولونيالية أن غاية تلك الضجة هي إيهام الناس بأن زمنا جديدا قد بدأ ومن واجبهم أن يعطوه الفرصة الكافية لبداية \"التغيير\".
نتذكّر السيد بوش الابن كيف ملأ الدنيا وشغل الناس بحديثه عن الديمقراطية والإصلاح وأنه سيكون \"رسولا\" من أجل توسيع دائرة تطبيق هذه القيم وخاصة في المنطقة العربية الإسلامية، وبدأت تنعقد منتديات وملتقيات عن الإصلاح بعضها تلقائي وبعضها الآخر بإيحاء أمريكي، لكنه ارتد بعدها بأشهر قليلة دراغولا يلتذ بإسالة الدماء، ويتباهى بخرق الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان، والتي ترفعها منظمات أمريكية سيفا مسلطا على رقاب دول العالم الثالث.. ويكفي هنا التذكير بجوانتنامو، والسجون السرية، والاختطافات على طريقة العصابات، وأبو غريب.. وغيرها كثير.
سمعنا السيد أوباما منذ أيام يبشّر بعالم جديد وبأمريكا وفية لقيمها مع نقد جلي للإدارة الماضية ليس فقط حول تعاطيها مع الأزمة الاقتصادية والفساد الذي ارتبط بها وكانت الشرارة الحقيقية التي أحرقت كل شيء، وإنما في نزوعها إلى الحروب، وخاصة الحرب على العراق.. هذه الحرب التي يجد الرئيس الأمريكي الجديد تجاهها أنه في ورطة وكأنه هو من خاضها ويريد أن يخرج منها، فخطابه التفاؤلي سواء خطاب اليمين، أو خطابه الثلاثاء الماضي أمام مجلسي الشيوخ والنواب، أو خطابه أمس جعله يؤكد أن الانسحاب أمر لا مفر منه وإن كان \"انسحابا مسؤولا\"، وهذا ما جعل أصواتا من داخل \"الصقور\" تحذّره بينها منافسه على الانتخابات جون ماكين، والسفير السابق في بغداد ريان كروكر الذي قال إن مخاطر جدية قد تترتب على انسحاب امريكي سريع من العراق بما في ذلك تعزيز مواقع \"تنظيم القاعدة\" وتقويض السعي نحو تأسيس مجتمع مستقر.
وكان كروكر يتحدث للصحفيين قيامه وعدد من كبار ضباط الجيش الامريكي باطلاع الرئيس اوباما على الوضع في العراق.
والسؤال المطروح هنا: ما معنى \"الانسحاب المسؤول\"؟
إنه مفهوم غامض سيتم عبره الالتفاف على القرار \"الشجاع\" الذي سبق إعلانه في سياق الحملة الانتخابية وأيام التنصيب وأداء اليمين، وهي فترة كان فيها أوباما نجم المستقبل.
وفي قراءة لما يرشح هنا وهناك من تصريحات وتسريبات وكذلك من خلال التدقيق في نص الاتفاقية الأمنية التي سبق للمالكي وبوش أن أمضياها سويا ولم يتبرّأ منها أوباما ولا تحدث عنها أصلا، فإننا نقدر أن تكون مفاصل خطة أوباما كالتالي:
1 – الحصول على ضمانات عراقية قبل الانسحاب، ومن هذه الضمانات وأهمها ترك حكومة \"صديقة\" في بغداد، وهذا يعني أساسا قطع الطريق أمام هيمنة إيران على المشهد السياسي العراقي وفرضها وجوها تابعة، ويقرأ الكثير من المحللين نتائج انتخابات المحافظات الأخيرة في العراق بأنها نجحت في تحقيق جانب من هذا الشرط الأمريكي فقد سقط الموالون لإيران بالضربة القاضية، وخاصة المجلس الأعلى الذي كان ورقة سياسية وعسكرية ومذهبية إيرانية بامتياز.
ومع تغذية خفية لتحالف بين المالكي والصدر من أجل وقف سطوة تيار الحكيم/ المجلس الأعلى، تكون الإدارة الأمريكية قد دقت الإسفين في نعش التحالف الشيعي وهدمت أركان الثقة بين أفراده وأحزابه ومليشياته، ومن السهل عليها بعد ذلك تهميش التيار الصدري والقضاء عليه في ظل تذبذب قيادته وقصورها الفكري، فهي تارة في قلب العملية السياسية وتارة خارجها، وأحيانا أخرى نجدها تتقرب من الحركات المقاومة.
ويجري حديث عن أن السفير الأمريكي الجديد هيل سيواصل مهمة كانت غاية في السرية لسلفه كروكر، وهي انفتاحه على وجوه الصف الثاني من النظام السابق \"وجوه سياسية وعسكرية\" من أجل إعطائها دورا \"مؤثرا\" في السلطة يمنع انتكاسة الفريق الشيعي في الحكومة وعودته باتجاه إيران، والدليل هو عودة جماعية لأفراد الجيش السابق إلى السلك العسكري، وسريان مفاوضات بعيدة عن الأضواء بين شخصيات أمريكية ووجوه بعثية سابقة تقيم في دول الجوار العراقي تم التغاضي عن محاكمتها وتركها خيارا بديلا.
ولا يستبعد أن يتم تشكيل حكومة عراقية بمواصفات أمريكية تجمع كل هذا \"الموزاييك\" بعد الانتخابات التشريعية القادمة المقررة لآخر العام.
2 – نأتي الآن للضمانات الأمنية والتي تعني إبقاء وجود أمريكي \"فعّال\" لمنع التلاعب بـ\"الصداقة\" الأمركية العراقية وعودة إيران أو صعود \"القاعدة\" أو أي تيار متشدد شبيه بها، ولهذا تتحدث تسريبات إعلامية عن رغبة إدارة أوباما في الاستفادة من نقاط قوة الاتفاقية الأمنية، وخاصة ما يتعلق بالامتيازات القانونية التي يحصل عليها الجندي الأمريكي وحصانته أمام أي عمل عسكري ينهض به.
وهذه \"الاستفادة\" تجد مبررات لها في الاتفاقية/ الملحق التي أبرمتها إدارة بوش مع حكومة المالكي بعد نهاية التفويض الأممي للقوات الأجنبية، وهي اتفاقية تقول إن الحكومة العراقية يحق لها التمسك ببقاء أي قوات أجنبية، وبالنتيجة فإن القوات الأمريكية المرغوب فيها عراقيا لن تنسحب بالكامل بل ستترك قوات للضرورة، وعدد هذه القوات قد يصل إلى 50 ألفا مثل ما تقول بعض التقارير، بالإضافة إلى قواعد عسكرية يركن لها هؤلاء حتى \"ينسحبوا\" من التراب العراقي، ويتحكموا بعد ذلك في الأجواء والحدود البرية والبحرية.
وهي نتيجة سبق للمفكر الأمركي نعوم تشومسكي أن اشار لها في تعليقه على الاتفاقية الأمنية و\"وثيقة المبادئ\" حين قال \"هذه الوثيقة فتحت المجال أمام احتمال بقاءٍ طويل الأمد وغير محدّد للقوات الأمريكية في العراق، وهو بقاء من المفترض أن يشمل القواعد الجوية الضخمة التي تُبنى حالياً في أرجاء البلاد، و\"السفارة\" في بغداد التي تعدّ فريدةً من نوعها بين سفارات العالم، نظراً إلى أنّها أشبه بمدينة ضمن مدينة. فهذه القواعد وهذه السفارة لا تبنى ليتمّ التخلّي عنها لاحقاً\".
3 – ويضع تشومسكي الإصبع على الهدف الأبرز لهذه الاتفاقية، ومن ورائها عملية الغزو ككل، وهو استغلال امكانيات العراق، إذ يقول \"ناهيك عن أنّ الوثيقة تضمّنت إعلاناً عن استغلال ثروات العراق لافتاً لوقاحته، فقد نصّت على أنّ اقتصاد العراق، أي موارده النفطية، لا بد من أن يكون مفتوحاً أمام الاستثمار الأجنبي، \"خاصة الاستثمار الأمريكي\".
وفي هذا الإعلان ما يشبه القول إننا غزوناكم، كي نسيطر على بلدكم، ويكون لنا امتيازُ الوصول إلى مواردكم، أو أعطنا النفط نعد لكم العراق، ما يعني معادلة النفط مقابل العراق، وهو ما يبدو أن إدارة أوباما ترفعه، قياسا على برنامج النفط مقابل الغذاء.
وواضح هنا أن إدارة أوباما تريد تحقيق المكاسب الاستراتيجية مستغلة التفاؤل الساذج بالزمن الأمريكي الجديد، وهناك مخاوف من أن تنجح هذه الإدارة في دفع الفرقاء العراقيين \"المتفائلين\" بـ\"التغيير\" الأمريكي إلى تمرير قانون النفط أمام البرلمان العراقي، أو تفويض الحكومة لإبرام الاتفاقيات النفطية طويلة المدى مع الشركات الأمريكية والعالمية الكبرى التي ساندت الغزو ومولته وقادته عبر أبرز رموزها في فيلق المحافظين الجدد.
للإشارة، فإن السيطرة على النفط العراقي سيسمح لها بالتحكم من خلاله في اسعار النفط العالمية، ورهن الواردات النفطية بالنسبة إلى الاقتصاديات العالمية الكبرى، خاصة أنها تهيمن على حركة النفط الخليجي، ليس فقط من خلال اتفاقياتها السرية والعلنية، وإنما، ايضا، من خلال القواعد العسكرية المزروعة على طريق النفط قبالة مضيق هرمز الذي تلوح إيران بغلقه، وهو تلويح يساوي آليا انطلاق حرب جديدة.
والنتيجة، كما يقول الخبراء، أن اسعار النفط ستنخفض الى أدنى مستوى وسيصل النفط الخليجي الى أمريكا بأبخس الأثمان مما ينعكس في النهاية على المستوى الاقتصادي لهذه الدول وهذا سيؤدي الى إضعاف الدول الخليجية والدول العربية عموما حيث تمثل الدول الخليجية القوة الاقتصادية للدول العربية...
ومن المستحيل أن يدير الرئيس الجديد الظهر لهذه \"المنافع\" الأمريكية ويقر سريعا الانسحاب، خاصة أنه يأتمر بأوامر الأجهزة المتعددة التي تصنع القرار، فمثل هذه الخطوة تعني آليا أن أوباما وخبراءه الاستراتيجيين قرروا العودة إلى المربع الصفر، مربع تعدد الأقطاب والتفويت في زعامة العالم، وهو ما يتناقض مع الدراسات الاستراتيجية المتعددة وآراء الخبراء، من ذلك أن ألان جرينسبان الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي يعلن أن الحرب على العراق لم تكن سوى من أجل النفط.
وقال في كتابه \"عصر الإضرابات\" مفسرا خفايا قرار حرب 2003 على العراق انه بغض النظر عن قلق بريطانيا وأمريكا المعلن بشأن أسلحة الدمار الشامل الخاصة بصدام حسين.. يحزنني أنه ليس من المناسب سياسيا الاعتراف بما يعرفه الجميع وهو أن حرب العراق كانت الى حد كبير من أجل النفط.
ويسجل جرينسبان مقولة الرئيس الامريكي جورج بوش.. ادماننا للنفط هو الذي يجعل لمستقبل منطقة الشرق الاوسط اعتبارا أكثر أهمية في أي توقع طويل المدى للطاقة قائلا ان أي أزمة نفطية تشكل ضررا بالغا بالاقتصاد العالمي.
ومن المؤكد أن المقاومة العراقية ومختلف ألوان الطيف الوطني العراقي سيقرأ رسائل أوباما وتسريباته المتعددة قراءة سليمة ويكتشف أن خطة أوباما التي توهم بـ\"التغيير\" تجاه العراق لا تعدو أن تكون حركة \"ذكية\" تعيد إنتاج الاحتلال، ولكن في صورة أسوأ لأنها تتخفى وراء الوعود والتطمينات والشعارات وتتشبّث بالمكاسب والقواعد.

أسرار هروب الأموال العربية إلى البنوك الأمريكية

مختار الدبابي

أسرار هروب الأموال العربية إلى البنوك الأمريكية.. "فوربس": ثروة 20 مليارديرا عربيا 123 مليار دولار
ضمت القائمة الجديدة التى أعدتها مجلة "فوربس" حول أغنياء منطقة الشرق الأوسط، 20 ثريا عربيا بلغت حجم ثرواتهم الإجمالية 123 مليار دولار حتى شهر آذار/مارس الماضي.
تصدر الملياردير السعودى الأمير الوليد بن طلال، رئيس مجلس إدارة شركة المملكة القابضة قائمة هؤلاء الأثرياء بثروة بلغت 20.3 مليار دولار، واحتل رجل الأعمال الكويتي، ناصر الخرافى وعائلته المركز الثانى بثروة تساوى 11.5 مليار دولار.
وحل فى المرتبة الثالثة رجل الأعمال المصرى نجيب ساويرس وبلغت ثروته 10 مليارات دولار.
وتمركز أثرياء المنطقة العشرون فى ستة بلدان، وجمعوا ثروتهم من تسع صناعات، وبلغت ثروتهم 123 مليار دولار فى مارس/آذار لهذا العام، وزاد صافى ثروتهم عن العام الماضى بواقع 10%. ويمثل إجمالى صافى ثروتهم 64% من الثروة الإجمالية لأثرياء المنطقة الذين يبلغ عددهم 65 مليارديرا.
ومن اللافت، أن الوحيد ضمن القائمة وهو محمد العامودى الذى صنع ثروته من النفط، فى حين أن البقية استفادوا من الأموال المتدفقة فى المنطقة بسبب ارتفاع أسعار النفط.
وهذه الحقيقة واضحة بشكل خاص فى السعودية التى تعتبر موطنا لـ25% من احتياطى النفط فى العالم، وتضم سبعة أثرياء فى القائمة.
وعادة ما تتبع إصدار قائمة "فوربس" أسئلة مهمة فى الساحة العربية: أين تذهب أموال العرب، وفيم يتم استثمارها وكيف تنعكس على تطوير الاقتصاديات العربية؟
وفى الوقت الذى تسعى فيه الدول العربية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية لتدعيم اقتصادياتها من خلال إمضاء اتفاقيات شراكة مع دول وتكتلات غربية، وفى الوقت الذى تتجاوز فيه ديون الدول العربية 560 مليار دولار ما بين خارجية وداخلية نجد أن الاستثمارات العربية فى الخارج تفوق التريليون دولار وبشكل تصاعدي.
لماذا هاجرت هذه الأموال؟ وما مستقبلها؟ وهل ستعود مرة أخرى أم ستظل حبيسة فى بلاد الغربة؟
هذه الأسئلة تجد مشروعيتها وإلحاحيتها من التداعيات التى خلفتها أحداث سبتمبر الإرهابية، وقد سادت تخوفات من وضع اليد على الكثير من هذه الاستثمارات وتجميدها فى سياق الحرب المحمومة على "الإرهاب"، هذا فضلا عن تحولها إلى ثقل مالى فى اقتصاديات الغرب ما يجعل من المستحيل أن يتنازل عنها أو يساعد فى عودتها..
ليس هناك أرقام أو إحصائيات دقيقة حول الأموال العربية المهاجرة؛ ولكن هناك بحوث اقتصادية عربية تقدم أرقاما تقريبية تقول إن حجم هذه الأموال يتجاوز تريليون دولار بقليل، فيما تقدر هيئات أخرى حجم الأموال الخليجية المهاجرة فى الخارج فقط بنحو "1.4" تريليون دولار، بينها "750" مليار دولار سعودية، حوالى "450" مليار دولار منها تستثمر فى الولايات المتحدة، و"255" مليار دولار فى أوروبا، وكانت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار فى الكويت قد ذكرت فى تقرير لها أواخر العام 2004 أن حجم الثروات العربية فى الخارج بلغ نحو "1.4" تريليون دولار، كان نصيب دول مجلس التعاون الخليجى من هذه الثروات يتراوح بين "800" مليار وتريليون دولار.
وسواء أكانت الأرقام أكثر من ذلك أو أقل فإن غياب رؤوس الأموال العربية ترك فراغا رهيبا أثر ولا شك على نسق التحولات، داخل الدول الخليجية "مركز ثقل رؤوس الأموال الكبرى" أو فى بقية الدول العربية.
وفيما يقول المتشائمون إن تلك الأموال تذهب بقرار سياسى إلى البنوك الغربية وخاصة الأمريكية لتساهم فى تقوية وضع أسواق الدول التى تقف ضد قضايانا القومية وتحولنا إلى أسواق استهلاكية جذابة وترتهن تطور اقتصادياتنا وعملاتنا وتجعلنا دائما سلة لإنتاجاتها وحتى أزماتها "أزمة الدولار الحالية التى تضع الأسواق الخليجية على كف عفريت"، فإن الحقائق على الأرض تقول إن واقع العرب الاقتصادى والإدارى لا يتحمل تكدس أموال النفط بأحجام كبيرة تماما مثلما يعجز عن تقبل الكفاءات والأدمغة.
هناك قضية مركزية تدفع رأس المال العربى إلى الهروب وهى أن الفضاء الاقتصادى العربى ما يزال فضاء مذبذبا تتحكم فيه البيروقراطية وهشاشة القوانين وغياب التسهيلات والحوافز، فضلا عن ضعف البنية التحتية، وسيطرة الدولة على مفاصل الحياة.
وإذا عرفنا أن الدولة العربية لا تمتلك مواصفات الدولة الحديثة خاصة الحياد، نفهم مخاوف أصحاب رؤوس الأموال من سطوة العائلات والعشائر المتشابكة مع السلطة واحتكار القضاء والقوانين والتحكم فى فوائد الاستثمار وتوسع دائرة الوسطاء الوهميين.
وفى مقابل هروب المال العربي، تدفقت إلى الوطن العربى فى العقد الأخير استثمارات أجنبية أكثر مما استثمر العرب أنفسهم داخل الوطن العربي؛ وهى استثمارات مربكة للاقتصاديات المحلية العربية، فهى تأتى بشروط لا تتحملها حركة الأسواق العربية ويسهل عليها ابتلاع الرّساميل المحلية الصغيرة خاصة وأغلبها مرتبط بالشركات العابرة للقارات.
والأهم هنا، أنها تأتى فى اطار اتفاقيات شراكة تعفيها من الأداءات وتقدم لها التسهيلات الخرافية ما يجعلها تتحكم فى اقتصادياتنا وحتى فى قراراتنا السياسية.
لكن من المهم الإشارة أيضا، إلى أن المنطقة العربية بدأت تتخلص من السلبيات السابقة خاصة فى الجهة الغربية منها حيث أصبحت دول مثل تونس والمغرب نموذجا فى احترام مقاييس الشفافية وإغراء الرأسمال العربى والأجنبى معا بسلسلة من الحوافز والتسهيلات.
ونجحت الادارة السياسية بهما فى خلق مناخ اقتصادى يتحمل المنافسة وينخرط فيها بيسر ويجعل الاستفادة من الرأسمال العربى والأجنبى استفادة دعم وتطوير لا استفادة رهن واحتكار.
وتُعدّ السعودية والإمارات فى طليعة الدول العربية التى تصدر الاستثمارات للعالم العربى ويتركز جهدها على قطاع الخدمات والتكنولوجيا والعقارات وإذا أخذنا نموذجا الاستثمارات الإماراتية فى تونس سنجد أنها شملت مشاريع ضخمة أبرزها مشروع سماء دبى الذى يتكلف 14 مليار دولار.
ويركز الخبراء الاقتصاديون العرب فى لقاءاتهم ودراساتهم الاستراتيجية فى محاولة للقطع ما حالة الارباك على اهمية دعم وتوسيع الاستثمارات العربية البينية مؤكدين على ضرورة تهيئة المناخ الاقتصادى المناسب وتسهيل الاجراءات القانونية لعودة رؤوس الاموال العربية من الخارج.
كما يطالبون بتفعيل إقامة منطقة للتجارة الحرة العربية الكبرى على أرض الواقع ما من شأنه أن يشكل قفزة نوعية وعملية فى علاقات التكامل والتعاون العربى المشترك فى جميع المجالات، على أن تكون لبنة لحلم السوق العربية المشتركة التى بقيت حبيسة أدراج الجامعة العربية. ويرى الخبراء أن ارتفاع أسعار النفط إلى حدود مئة دولار سيخلق فائضا إضافيا من الأموال العربية يمكن توظيفها فى المنطقة، لكن الأمر يستدعى تسريع التفاهمات السياسية، فهناك حالة برود فى العلاقات البينية منها ماهو من مخلفات حرب 1990- 1991، ومنها ما هو ناجم عن خلافات حول الحدود التى رسمها الاستعمار ومنها ما هو ناجم عن قصور فى الاستشراف والتوقع.
فالدول الخليجية، مثلا، ما تزال تتحرك ببطء فى الانفتاح المالى على المغرب العربى رغم كونه أصبح قبلة الاستثمارات الغربية، الأوروبية والأمريكية على السواء.
فهل يضع العرب محاذير السياسة جانبا ويتفرغون لعلاقات اقتصادية بينية قوية يحلم البعض أن تتحول إلى وحدة أو حتى اتحاد؟
العقود القادمة قد تحمل بعضا من الاجابة فتدعم التفاؤل أو تنتصر للتشاؤم.

حرب بالوكالة: مواجهة بين واشنطن وطهران وقودها العرب

مختار الدبابي

لم يخيّب الرئيس الأمريكي الجديد الظن وسرعان ما اختار أن يفتح الطريق أمام الحرب من جديد ليؤكد لمن يؤمنون بنظرية المؤامرة أن حدسهم لا يخيب أبدا لأن الولايات المتحدة قامت على الحرب ولن تعيش دون حرب.
وهكذا نجد أنفسنا أمام بوش آخر، حتى وإن تغيّر لون البشرة وتجدد فريق العمل وتلونت الشعارات بدءا من البكاء حول صورة أمريكا التي تلوثت بفعل الأخطاء القديمة، مرورا بفشل الحرب في العراق، وصولا إلى الكارثة الاقتصادية.
الحرب الجديدة التي اختارها السيد أوباما ستكون على إيران، ويريد ألا تسيل فيها الدماء الأمريكية على أن تتفرق دماء الإيرانيين بين القبائل العربية، وهي قبائل فعلا وليس في التوصيف مجاز ولا استعارة..
هذه الحرب يمكن أن نطلق عليها حربا بالوكالة، ويكفي بأن نستدل بهذه القمم العربية الثنائية والثلاثية والرباعية التي تُعقد هنا وهناك وترفع شعار المصالحة وتنسيق المواقف وتقديم المتفق عليه على المختلف به لنكتشف أن الوجهة القادمة للعمل العربي \"المشترك\" ليس ضد إسرائيل ولا ضد أمريكا ولا ضد الأزمة الاقتصادية وإنما ضد إيران.
هناك رغبة ملحة في احتواء الأطراف التي تنتمي إلى ما يسمى بحلف الممانعة وتشترك مع إيران في الموقف تجاه ما يجري في القضايا المختلفة، فهذه بريطانيا تعرض التحاور مع حزب الله وتفتح نافذة للحزب المغضوب عليه لينفتح على العالم الغربي الذي كان دائما يتعامل معه كتنظيم \"إرهابي\" تابع لإيران.
الخطوة البريطانية تحاول اختبار ردة فعل حزب الله وتبيّن حجم موالاته لطهران، فضلا عن تقصي ملامح ما تبقّى من ثورية لدى حزب بدأ يكتفي بالدور القطري ويحارب من أجل أماكن إضافية في البرلمان ويجعل من السيطرة على شركات الاتصال هدفا رئيسيا.
لكنه في حرب غزة الأخيرة لم يطلق صاروخا واحدا لتخفيف الضغط عن حليف آخر لطهران في محنته رغم أن الجماهير العربية التي رقصت طربا لانتصاره سنة 2006 كانت تنتظر دورا قويا منه يرغم إسرائيل على أن تنسحب مهزومة..
اختفت \"الثورية\" واكتفى زعيم الحزب السيد حسن نصر الله بإلقاء خطابات يهاجم فيها النظام المصري ويستغرب كيف لا يشارك في فك الحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة اقتصاديا وعسكريا.. فيما يكتفي هو وحزبه بالفرجة وإلقاء النصائح \"الثورية\".
السياسة البريطانية التي عُرفت عبر تاريخها بالدهاء لا تؤمن بالثورية مدى الحياة بل إن المصالح يمكن أن تُفرّق بين الأصدقاء وتجمع الأعداء، ولهذا ألقت بالطعم لحزب الله، وهي تنتظر الاستجابة خاصة أن طرفا أهم منه وأقوى في إدامة الحياة لفريق الممانعة، ونعني سوريا، بدأ يتفاعل مع المغازلة التي تأتيه من كل الاتجاهات لفك الارتباط مع طهران.
سوريا تحولت إلى قبلة للزيارات والوفود، والأسد صار نجم اللقاءات العربية، والغزل والإغراءات صارت على المكشوف.
مع العلم أن العناية المفرطة بسوريا بدأها ساركوزي منذ الصائفة الماضية حين استقبل الرئيس بشار الأسد في الإليزيه وجعله نجم الاحتفاء بتأسيس الاتحاد من أجل المتوسط ثم الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي.
لكن الإغراءات الأوروبية الأمريكية التي كان ساركوزي عرابها لم تتجاوز حد الوعود والإيحاءات والافتراضات، لكنها كانت تطلب تنازلات سورية عملية في ملفي لبنان والعراق، وطبيعي أن تخبو الموجة لتجدد الآن بفاعلين جدد.
وواضح أن أطرافا عربية معتدلة وثرية حملت على عاتقها تنفيذ الجزء الرئيسي من الحرب بالوكالة على طهران، وأولى عناصرها غرس النزاعات داخل فريق الممانعة وإغراء أطرافه وخاصة الطرف القوي، ونعني سوريا، ولا نستبعد أن تعرض هذه الدول إغراءات فعلية تنفّذ مباشرة حال التفاعل السوري، ولا تقف تلك الإغراءات عند الأموال، أو الأسعار التفاضلية والهبات النفطية، بل تمتد إلى عرض سخي آخر هو إعطاء دمشق دور سياسي متقدم في \"جنة\" الاعتدال والشرط يسمح بذلك خاصة في ظل انكفاء الدور المصري وترهله، وهو ما يجعل الأمريكيين يقبلون التضحية به بسهولة ويسر.
وفضلا عن هذا فإن الترضية الأمريكية جاهزة لدمشق لو أشرت بالإيجاب، وهي استعادة الجولان عبر التفاوض المباشر مع إسرائيل.
ونحن نتحدث عن العروض العربية والغربية لدمشق، لا نستطيع أن نجزم بالتفاعل السوري السريع، فهذا البلد يتقن اللعب على التوازنات الدولية والإقليمية، وانحيازه للقضايا العربية وإن فرض عليه الكثير من التضحيات، فإنه يشكل الضمانة الأساسية للدور الإقليمي الراهن والذي لا غنى عنه عربيا ودوليا.
لا يمكن هنا أن نستهين بالحرب الخفية التي تجري على قدم وساق لخنق طهران وقصقصة أجنحتها، ففضلا عن إغواء وشق حلف الممانعة، ستتلقى طهران صفعة لاذعة من العراق الذي مثّل في السنوات الست الأخيرة ملاذها الآمن، فقد ساعدت الغزو ودعمت الفوضى لتجعل الولايات المتحدة في ورطة يصعب عليها فيها استهداف طهران ومهاجمتها، بل الاستعانة بها والتنازل لفائدتها..
إيران أحكمت اللعبة من خلال تدعيم الموالين لها وتسهيل مهمتهم في السيطرة على حكم العراق الجديد، لكن المراجعات الأمريكية التي بدأت مع تقرير لجنة بيكر – هاملتون توصلت إلى قرار الانسحاب \"المسؤول\" بما يلغي كل مبررات طهران في تغذية وتعميق الفوضى والخلافات، وزيادة على ذلك فإن واشنطن نجحت في تهميش الأحزاب والمليشيات المقرّبة من طهران، وتكفي الإشارة إلى أن انتخابات المحافظات الأخيرة في العراق صعّدت البراغماتيين والليبراليين ومعادي الأحزاب المذهبية (المجلس الأعلى، الفضيلة، التيار الصدري...).
والانفتاح الأمريكي المفاجئ على شق من التيار البعثي وتسهيل عودة الكادر العسكري والأمني القديم إلى الوزارات وتشجيع التحاق شخصيات مقربة من البعث بحكومة المالكي كلها عوامل تجعل من الانتخابات التشريعية القادمة أفقا للقطع مع النفوذ الإيراني في العراق.
وغير بعيد غيّرت واشنطن إدارتها للملف الأفغاني، فرغم إرسال 20 ألف جندي إضافي والوعد بعشرات الآلاف الآخرين والإيهام بأن القضاء على \"الإرهاب\" في أفغانستان هو الحرب الاستراتيجية، فإن الأمريكيين يعرضون علانية التفاوض مع طالبان وهم على استعداد للقبول بحكومة هجينية تجمع بين براغماتيي طالبان وأنصار كرازاي، والرسالة لا تحتاج إلى كثير من العناء لتفهم دلالاتها.
الإدارة الأمريكية قررت محاصرة إيران سياسيا وأمنيا لتحقيق الهدف الرئيسي الذي ظلت إسرائيل تذكّر به بوش قبل أن يغادر ورمت به في عنق أوباما منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض، وقد تسربت تقارير مباشرة بعد أدائه اليمين الدستورية تقول إن تل أبيب منحته 3 أشهر ليقرر مهاجمة النووي الإيراني وإلا فإنها ستتولى المهمة بنفسها.
إن الوجود الأمريكي المكثف في أفغانستان وباكستان لن يقف دوره عند حد التهديد الأمني الذي صار مثل الطوق (قوات وقواعد في العراق والخليج وتركيا وباكستان وأفغانستان)، بل سيحقق هدفا آخر أكثر تأثيرا، وهو منع النفط والغاز وحركة التعامل التجاري مع الهند والصين واليابان وربما روسيا التي عرضت عليها واشنطن صفقة كبيرة مقابل تجميد دورها في تجهيز مفاعل بوشهر.
هذا التوصيف الدقيق أردنا من خلاله التأكيد على أهمية الدور العربي في خنق إيران، أو تفويت الفرصة على خنقها وما للخيارين من تأثيرات استراتيجية على المنطقة ككل وعلى العرب.
خنق إيران ليس في مصلحة العرب بل يضر بقضاياهم المصيرية، وبقطع النظر عن دورها السلبي في العراق ومحاولتها إثارة الفتن المذهبية لزعزعة الأمن الخليجي، فإن محاصرتها مقدمة لضربها كما حدث مع العراق يعني غياب أقطاب إقليمية عدا إسرائيل، أي فسح المجال أمامها لتصبح القطب الأول والأساسي، وهذا يعني فرض التطبيع معها وتعويم القضية الفلسطينية بالشكل الذي تريده، وفتح الأسواق العربية أمامها وكسر الثقافة العدائية تجاهها.
وهذا يعني أن القيادات العربية المعتدلة قدمت المنطقة على طبق من فضة لإسرائيل وخلقت الشروط الموضوعية لإقامة الشرق الأوسط الجديد الذي حاولت إدارة المحافظين الجدد طيلة ثماني سنوات من الحرب والضغوط تمريره ليأتي أوباما بأسلوب وضع السم في الدسم ويحققه بيسر بفعل تفاني الدول العربية \"الكبرى\" في خدمة السياسات الأمريكية مقابل الحفاظ على استقرارها في السلطة وضمان عدم إثارة الولايات المتحدة لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والتناوب على السلطة ضدها، أي تعوّم القضايا الكبرى وتقدمها رشاوى للإدارات الأمريكية المتعاقبة.
لكن قراءة هذه الأنظمة للمستقبل قراءة خاطئة ومضللة، فانهيار الأقطاب الإقليمية الأخرى يعني آليا أن الدور الخدماتي الذي ينهض به الفريق المعتدل لن يكون له فائدة في المستقبل، ففيم ستحتاجهم أمريكا إذا سقط صدام ثم إيران وتم تعويم الدور التركي؟
إن هذا الدور هو عبارة عن لعب بالنار ليس فقط بمستقبل المنطقة، بل بمستقبل العائلات والعشائر الحاكمة، مع العلم أن استمرار اللعبة بصورتها الحالية تقدم أكبر خدمة للتيار المتشدد الذي يهدد باجتياح الفضاء العربي الإسلامي من جديد، ولعل التفجير الذي حدث مؤخرا في أحد الأسواق المصرية أبلغ رسالة على أن حركة \"الجهاد\" قد تعود في ثوب جديد، وقد تترك مكانها للقاعدة، تماما مثل حماس التي تحاول التمسك باعتدالها والمرونة في التعاطي مع الظرف، لكن الضغوط العربية (المصرية أساسا) قد تدفع حماس إلى التنازل كما فعلت فتح، وهذا يعني صعود تيار من الصقور الفلسطينيين الذين لا يؤمنون بالتفاوض ولا بالرعاية العربية التي صار هدفها تطويع القضية المركزية للشروط الإسرائيلية.
مع الإشارة هنا إلى ان رسائل دقيقة وهادفة يطلقها أوباما باتجاه \"الإسلام السياسي المعتدل\" تفيد بانفتاح محتمل عليه \"والتوسط\" على المستوى القطري لوقف الضغوط الرسمية تجاهه، وتخفي هذه الرسالة التي قد تبقى حبرا على ورق رغبة في تحييد هذه الحركات في الصراع القادم، خاصة أن أخطاء طهران المذهبية تعطي مسوغات كثيرة لنجاح خطة أوباما.
إن موجة العداء المتصاعدة ضد طهران موجة موجّهة أمريكيا وإسرائيليا، وهي تتسقّط الأخطاء الإيرانية المتكاثرة، وخاصة التصريحات العدائية تجاه البحرين والإمارات ومصر، من أجل خلق ذات الشروط التي سمحت بضرب العراق والإطاحة بصدام.
وإن كنا لا ننتظر أن يغيّر الإيرانيون أسلوبهم في استفزاز الدوائر العربية، فإننا نتمنى أن تتولى القوى العربية والإسلامية الفاعلة مهمة الضغط لمنع تحول العرب إلى كومبارس تتم عبره تصفية الحسابات شرقا وغربا.

أوباما لــن يخــوض حروبكم أيها العرب!

مختار الدبابي


سجلنا فرحا عارما لدى الكثير من العرب بعد فوز باراك أوباما، وكأنما الذي وصل إلى البيت الأبيض مناصر لقضايا العرب، أو أن اللوبي العربي الإسلامي هو الذي أوصله إلى السلطة، وليس اللوبي الصهيوني الذي ذهب باراك "حسين" أوباما لأجل أصواته وماله إلى إسرائيل وراح يتمسح على أعتاب "حائط المبكى".
ليس هناك شك في أن العرب بلا ذاكرة، بمن في ذلك أغلب الكتاب والمثقفين الذين هللوا وما يزالون لصعود هذا الأسمر إلى البيت الأبيض فنحن دائما نفكّر باللحظة التي نعيشها، وتقودنا العاطفة إلى التصفيق والهرولة وراء ما ظهر من الصورة..
ليس غريبا أننا، الأمة التي رفعت اللاءات وهددت برمي أعدائها في البحر، نسيت شعاراتها وتهديداتها، وأصبحت تتعايش مع العدو الاستراتيجي "صديقا" وتأكل من تفاحه وتغدق عليه نفطها وغازها ومبادراتها، وأن تصفق لصعود أصدقائه إلى السلطة وأن تشرب على نخبه...
هذا الذي صفعنا صفعة قوية منذ أن ظهر في الصورة "الديمقراطية" وألبسناه لبوس "الإسلام" وكدنا نقسم للعالم أننا ختنّاه وأدخلناه ديننا، لكنه يمارس التقية، كما نمارسها نحن لنقتل بها بعضنا أفظع قتل، لكن الرجل أعلن ولاءه الكامل لإسرائيل وقال إن القدس عاصمتها الموحدة والأبدية وأنه سيقاتل لأجل أن تعيش في أمن وسلام!
أما سر وهمنا الحقيقي، فهو أن "القط الأسود" وعد بأن ينسحب من العراق، ونحن نمنى النفس، "وخاصة أولئك "المثقفين" الذين أشبعونا زمنا ما بوعود النصر"، بأن ينسحب الرجل فعلا ونقفز نحن إلى الواجهة ونقول إننا انتصرنا وحررنا وقاومنا وطردنا عدونا شر طردة..
ما أكبر الوهم.. ما أمرّ الحقيقة
هكذا بجرة قلم ينسحب أوباما من العراق ويرمى وراءه 5 سنوات من الخسائر والقتلى والجرحى والمعتوهين والمشوهين.. من أجل أن يكتب سيد البيت الأسود تاريخنا من جديد، ويسمح لنا أن نقول لأجيالنا القادمة إننا انتصرنا وأطردنا "مغول العصر".. ونجدد الوهم فينا ونظل أمة شعار وأحلام وأماني بأن نظل خير أمة أخرجت للناس.. ولكن على الورق!
قد يكون بوش أسوأ رئيس أمريكي، وقد يكون يكره أمة العرب لأنه يؤمن أن انتصار إسرائيل علينا هو علامة من علامات عودة السيد المسيح لينقذ العالم من الفساد.. قد يكون شعوره بأنه مبعوث إلهي قد زاد في عدائه لنا وعاملنا بقسوة وكراهية..
كل هذا معقول ومقبول، لكن بوش ليس هو من أعلن الحرب على العراق ولا أبوه من قبله، فأمريكا التي تقود العالم بالعلم والعصا معا، ليست من طينتنا نحن العرب الذين يفعل الحاكم الفرد فينا ما يريد ويشتهي حتى يعف عنا بكرم منه وطيبة معشر!
أمريكا دولة مؤسسات ومراكز بحث ودراسات إستراتيجية وخبراء وكونغرس ومجلس شيوخ، وما يفعله السيد بوش لا يعدو أن يكون تنفيذ أوامر وخطط مرسومة سلفا وصادقت عليها حكومة ظل وكل وزرائها ومستشاريها، فهي من فبركت حجج وبراهين كذبة أسلحة الدمار الشامل في العراق وقدمتها إلى كولن باول ليعرضها مزهوا، ويكتشف بعد خروجه من السلطة أنه كان بيدقا!
وبالتأكيد فإن باراك أوباما لن يكون أفضل حالا من بوش أو باول أو رايس أو تشيني، وسيمضى في طريق سلفه بوش من حيث السمع والطاعة لخبراء الظل، فإذا قالوا له لا تنسحب فلن ينسحب، وإذا قالوا له لملم أشياءنا قليلا فسيفعل وسيدعو آلافا من الجنود لينسحبوا على أن يتمركز البقية في القواعد العسكرية بعد أن تكون حكومة "الفتى الأسمر" قد أمضت على الاتفاقية الأمنية التي تمنع الاعتداء على الوجود الامريكى وتسمح للأمريكيين أن يعيثوا في الأرض والناس والقانون فسادا..
كان يمكن أن نقرأ الصورة بشكل مغاير ونتنبأ أن الاستراتيجيين الأمريكيين يشعرون بالورطة وأنهم فضلوا أن يصعد أوباما كوجه جديد وكرجل أسود و"ديمقراطي" ليخفف من وطأة إرث بوش، خاصة أن الأخير كان دائما يبشر بالنصر القريب، ويوهم أن العراقيين استقبلوا جيشه بالورود، وأن قلة من أتباع "القاعدة" هم من ينغص عليه صفاء النصر، ولم يعد بإمكانه أن يتراجع ويناور كما تفعل الجيوش، لا هو ولا ماكين الذي كان من الممكن أن يخلفه لو قررت قيادات الظل ذلك..
أوباما ما زال غفلا وفاقدا للخبرة، ويمكن أن يمسحوا فيه أخطاءهم، ويمكن أن يتخذوه مطية للتراجع وتقديم تنازلات لإيران أو سوريا، أو عباس، أو حماس، أو القاعدة، أو طالبان، أو المقاومة العراقية، بما يسمح لأمريكا أن تستعيد توازنها قليلا وتستعيد من ثمة المبادرة والمناورة.
لسنا ضد التنبؤ بأن يكون أوباما بوابة الانسحاب، أو أن الأمريكيين قرروا سر الانسحاب وجاؤوا بأوباما ليمرروه، أو أن المقاومة العراقية أوجعت المحتلين وتدفعهم دفعا إلى الرحيل، لكننا ضد التوهم الساذج بأن رجلا ما في أمريكا "حتى ولو كان رئيسها" يستطيع منفردا أن يعلن الانسحاب ويقول للعراقيين والفلسطينيين والسوريين والإيرانيين والأفغان نحن آسفون عودوا إلى قواعدكم واسترجعوا أراضيكم واحكموا شعوبكم كما أردتم وكنتم، ولا أحد يقترب منكم أبدا.
ومن المهم الإشارة إلى أن استبشارنا الواسع بصعود أسود إلى البيت الأبيض نابع من إحساس حقيقي بالعجز عن الوقوف في وجه قوة عالمية احتلت صدارة العالم وصارت الشرطي الوحيد، ولن نجاريها ولن نوجعها إذا لم نعالج قضايانا الحقيقية.
التحرير أولوية، لكن هذه الأولوية لا تتحقق في زمن عربي فاقد لأهم مقومات الحضارة، فقد فضحتنا الأزمات العالمية الأخيرة "أزمة الغذاء، أزمة النفط، أزمة العقارات"، ووجدنا أن اقتصادياتنا هشة وأننا لا نقدر أن نعيش لحظة دون إعانات أو قروض من الخارج..
الجوع كان سيتهدد ملايين العرب لو استمرت أزمة الغذاء قليلا، لأننا أمة تأكل من خيرات غيرها، وما نسمعه هنا أو هناك عن الاكتفاء الذاتي كان فرقعة إعلامية لتثبيت التخلف.
لو تصفحنا تقرير منتدى دافوس الأخير، لوجدنا أن دولا عربية كثيرة غارقة في الفساد الإداري وفاقدة للشفافية والنزاهة في توظيف المال العمومي، واقتصادها فاقد لمقومات المنافسة.
الأزمة المالية الأخيرة وقفنا فيها على مفارقة عجيبة، فبقدر امتلاكنا للمال الوفير وللودائع السمينة، فقد خرجت اقتصادياتنا مربكة لأن "القطط السمينة" في واشنطن لحست أموالنا وضحكت على ذقوننا..
هل تقدر أمة ينخرها التسلط والاستبداد أن تنهض بمهمة التحرير والتنوير والتطوير والتحديث، وكل شعاراتنا البراقة..
الأزمة الحقيقية تكمن في كوننا، على حد قولة المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي، أمة لديها القابلية للهزيمة وتبحث عن منقذ خارجها، فتارة تتعلق بقشة أمل دينية آتية من طهران التي أعطتنا مئات الأدلة والقرائن أنها دولة قومية فارسية وكفى.
وأخرى أيديولوجية قادمة من موسكو التي مثل اجتياحها أراضى جورجيا قادحا لأن نخرج ترسانتنا الأيديولوجية من أغمادها، لكن موسكو قبلت صفقة ما وانسحبت وخيبت ظننا فانكفأنا على أنفسنا خائبين..
وعدنا إلى الأمل مع أوباما على اعتبار أن الرجل أفريقي أسود، قد تكون أصوله عربية!
ولكن، للأسف لن ينهض الرجل بحروبنا، فهو وإن كان أسود، فعقله وقلبه وحلمه أبيض!