من أغرق السودان: «الإنقاذ» أم التآمر الخارجي؟
مختار الدبابي
دأبنا على ربط أزماتنا بالمؤامرة الخارجية من أجل استمرار الواقع كما هو، واحتفاظ القوى المستفيدة من الأزمات بالمزايا القائمة. لا أحد يُنكر الدور الفاعل الذي يلعبه التدخل الخارجي في تثبيت حالة التخلف والاستبداد ودفع المنطقة ككل نحو التفتيت وتكوين كانتونات جديدة على أنقاض الدولة القطرية التابعة التي يبدو أنها لم تعُد تفي بالغرض أمريكيا، لكن التدخل الخارجي لا يمتلك الفاعلية القصوى إلا بتحقق شروط موضوعية داخلية تمثل أرضية مثلى له.
وفي الملف السوداني، مثلا، تتحقق الشروط الذاتية/ الموضوعية التي سمحت للقوى الخارجية بالتدخل في مختلف الملفات السودانية وانتهت أخيرا إلى فرض التقسيم عبر الاستفتاء الذي هو في الظاهر عملية ديمقراطية حرة، لكنه في العمق دليل على غياب الديمقراطية وارتفاع صوت السلاح على حساب صوت المؤسسة المدنية المنتخبة.
الكثير من ديمقراطيات الأنظمة العربية، وكتابات المثقّفين تحت الطلب، تحصر الممارسة الديمقراطية في جلب الناس إلى صناديق الاقتراع وفي الإعلان عن النسب المرتفعة كدليل على المشاركة الشعبية؛ وفي الحقيقة فإن هذه "الديمقراطية" لا تعدو أن تكون مسرحية للتضليل وتثبيت سلطة الأحزاب الحاكمة.
السودان نموذج عن هذه الديمقراطية المضللة التي أعطت الحكومات المتعاقبة والرؤساء الذين تداولوا على السلطة "بالانقلاب ثم أكسبوا أنفسهم "الشرعية" الديمقراطية لاحقا" صلاحيات الاستمرار في التعاطي الخاطئ مع الأزمات السودانية المختلفة.
أزمة السودان الكبرى أن حكوماته ورؤساءه فشلوا جميعا في فهم طبيعة هذا الكيان الواسع والمتعدد دينيا وعرقيا، وحكموا البلاد دائما كشماليين وليس كسودانيين، وفرضوا اللغة العربية و"الشريعة" "بما هي عقاب وأداة أخلاقية لتثبيت السلطة ليس إلا"، وخلقوا بالتالي الأرضية الشعورية الحقيقية التي غذت الرغبة في الانفصال لدى أبناء الجنوب ولدى مختلف الأقاليم المرشحة للانفصال.
وبالنتيجة، فإن السوداني الذي يشعر أن اللغة العربية والشريعة "ومن ورائهما الانتماء القومي، أو الإسلامي" أدوات لتثبيت وضعه في الهامش بمنعه من الوظيفة ومنع المنطقة التي ينتمي إليها من المشاريع التنموية والخدمات الأساسية، خاصة حين تكون غنية بالنفط أو المعادن وتوظف السلطة في الشمال عائدات هذه المعادن في شراء السلاح الذي تجلد به أهلها بدل أن تحارب به الفقر والجوع والأمية.
وواضح هنا أن السلطة الشمالية "منذ الاستقلال" لم تتعامل مع مختلف ألوان الطيف الديني والعرقي في السودان وفق قيمة المواطنة ولم تؤسس لقيمة الانتماء الوطني في قلوب الناس، وإنما قسمت البلاد من حيث لا تدري "وربما تدري وتمارس الأمر عن قصد" إلى أوطان كامنة في الصدور وحين تحين اللحظة تُعبّر عن نفسها ولا تجد ضيرا في أن تتعاون مع الشيطان لتحققها.
وهنا، لا يبدو الأمر ذكاء أمريكيا ولا إسرائيليا في دفع الجنوب نحو الانفصال واللعب على حالة الإحساس بالضيم والدونية لدى أهله في "السودان الموحّد"، بل إنهما استثمرا أخطاء جماعة "الإنقاذ" التي أغرقت السودان بدل أن تُنقذه..
ولنا عودة..
صحيفة العرب -27-12-2010
الأحد، 26 ديسمبر 2010
الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010
ويكيليكس يجلد السلطة: هل انتهى دور عباس؟
مختار الدبابي*
من البداية لم نغتر بـ"لعبة" ويكيليكس التي راح صانعوها يصفّون الحساب مع الأقطار العربية وقياداتها ومؤسساتها وقضاياها بشكل منظم وموجّه.
ورغم إيماننا بالدور الكبير الذي تلعبه التكنولوجيا في تفاصيل حياتنا ما يجعل الحصول على المعلومة مهْما كانت صعبة أو سرية أمرا ممكنا وسهلا، ومن ثمة لم يكن مفاجئا لنا نظريا أن "يسرق" جندي مجهول ملايين الوثائق الأمريكية ويسلمها إلى مالك موقع ويكيليكس، لكننا لم نصدق "براءة" التسريبات ولم نقتنع أن الجندي العادي لم يحصل إلا على وثائق تجلد العرب وتقدم بعض زعمائهم في صورة من يعمل ضد شعبه وأمّته فيما ظلت إسرائيل خارج التسريبات، وبدت الإدارة الأمريكية (الراهنة والسابقة) هي من يتحكم في المشهد الدولي كله.
إن نظرية المؤامرة تفرض نفسها، هنا، إذا نظرنا إلى المشهد في شموليته، أي بعيدا عن الشماتة في هذا النظام العربي أو ذاك، وإذا لم نغرق في التفاصيل وتصفية الحساب والنظر أمام أنوفنا.
فالهدف الكبير للتسريبات لم يكن إدانة أنظمة عربية غارقة في الفساد أو تعمل جاهدة من أجل تحقيق الأجندة الأمريكية في المنطقة حتى دون أن تطلب الإدارة الأمريكية ذلك، وإنما تقديم الأمة في صورة سيئة ما يُعطي الانطباع لكل العالم أن هذه الأمة تستحق ما يلحق بها من غزو وحصار ومؤامرات.
ومن ثمة إعطاء مشروعية للحرب الأمريكية على "الإرهاب" واحتلال العراق وتشطير السودان، ثم وأساسا إعطاء "مشروعية أخلاقية" للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ومختلف استتباعاته (إفراغ القدس المحتلة من أهلها الشرعيين، توسيع الاستيطان..).
في هذا السياق، جاءت "التسريبات" الأخيرة لويكيليكس هادفة إلى تصفية السلطة الفلسطينية والاستهانة برموزها والتحريض عليها من خلال كشف علاقتها بالعدوان على غزة نهاية 2008، والتركيز على المراحل المتقدمة التي قطعها التنسيق الأمني بين الاجهزة الأمنية للسلطة والدوائر الأمنية الصهيونية.
وهي رسالة دقيقة في مرحلة دقيقة؛
فالسلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها الرئيس محمود عباس، اكتشفت بعد ما يُقارب العقدين من التفاوض والتنازلات المؤلمة والمجانية أن إسرائيل تفاوض لأجل التفاوض وربح الوقت وليس في نيتها الاعتراف بأي دولة فلسطينية ولو على شبر واحد من الأرض، واكتشفت السلطة من ثمة أنها مجرد لعبة في لعبة أكبر وأوسع مدى، ولذلك سمعنا الرئيس محمود عباس يهدد بالانسحاب والاستقالة في أكثر من مرة، لكنه كان يتراجع تحت ضغوط أمريكية مصرية على وجه الخصوص.
وبالنتيجة، فإن القراءة الإسرائيلية الأمريكية انتهت في هذا السياق إلى نتيجة رئيسية، وهي أن زمن عباس قد انتهى ولا بد من سلطة جديدة تكون قادرة على تقديم المزيد من التنازلات دون سقف ولا ضوابط، وسيكون عرابوها من داخل السلطة ذاتها ممن تمتلك عليهم الدوائر الإسرائيلية ملفات في الفساد والتآمر على شعبها، أو من بين المنظّرين للسلام الاقتصادي الذي يعني ببساطة الأكل مقابل الأرض.
وحين تتوفر الشروط الموضوعية لتشكل "السلطة البديلة" سيُسمح للرئيس محمود عباس أن يستقيل بـ"كرامة" و"عزة نفس"، أو سيُعطى الأمر لـ"المؤسسات الديمقراطية" الفلسطينية أن تقيله (خاصة أنه لم يعُد رئيسا من وجهة نظر قانونية ودستورية) أو تدعو لانتخابات "سابقة لأوانها".
ومن المهم، هنا، الإشارة إلى أن تسريبات ويكيليكس "البريئة" قد تعمّدت تحقيق أهداف جانبية أخرى ستساعدها في الوصول إلى مرحلة "السلطة البديلة"، وأهمها إضعاف حركة فتح ودفع أعضائها ومتعاطفيها إلى أتون الصراع والخلافات الحادة وإعادة الحركة إلى مراحل قديمة كانت قطعت معها وساد فيها خطاب التخوين والعمالة والمزايدة حول الوطنية.
وإضعاف فتح أو شق صفوفها يعني آليا إضعاف أحد أهم مكامن القوة لدى الشعب الفلسطيني (رغم حالة الاختطاف التي تعيشها)، يضاف إليها توسيع دائرة العداء بين القوى والفصائل الوطنية المؤثرة خاصة بعد التسريبات الأخيرة عن التنسيق الأمني التي أعطت حركة حماس الفرصة كي تهاجم فتح بقوة.
ومن ثمة نجحت إسرائيل عبر ويكليكس في أن توسع هوة الخلافات بين الحركتين وتئد ما تبقى من آمال ضعيفة في فرص نجاح جهود المصالحة الوطنية.
ولا بد من التذكير هنا بالتحريض الذي مارسته تسريبات ويكليكس واستهدفت به حزب الله وسلاحه وعلاقته المفترضة بإيران وسوريا، وهو تحريض متماه في الأهداف مع التسريبات الأمريكية الفرنسية السابقة له عن قرار محتمل يصدر عن المحكمة الدولية يورط حزب الله في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، والهدف من وراء هذا كله هو توفير الشروط الموضوعية لمحاصرة الحزب ونزع سلاحه وإعطاء "مبررات" لحرب إسرائيلية مفاجئة ضده.
وفي سياق آخر من وجوه التوظيف الفج والمفضوح التي تمارسها الأطراف التي تقف وراء "تسريبات" ويكيليكس نشير إلى ما جاء من اتهام للرئيس السوداني عمر البشير من سرقة مليارات الدولارات ووضعها بأحد الحسابات الخاصة بالخارج، وهو تسريب يهدف إلى الضغط على البشير حتى لا يكون عقبة أمام عملية الانفصال في الجنوب، وهي عملية تراهن أمريكا على تمريرها بكل السبل في سياق خططها الاستراتيجية لتفتيت الأمة إلى دويلات قزمية ستكون تابعة ومرتهنة للاستعمار الجديد بالضرورة.
وهكذا، لم يكن مفاجئا أن تختص "تسريبات" ويكيليكس بالعرب لتوجد الأرضية اللازمة لمواصلة ابتزازهم والتآمر عليهم.
* نص افتتاحية العرب العالمية (22 – 12 - 2010)
من البداية لم نغتر بـ"لعبة" ويكيليكس التي راح صانعوها يصفّون الحساب مع الأقطار العربية وقياداتها ومؤسساتها وقضاياها بشكل منظم وموجّه.
ورغم إيماننا بالدور الكبير الذي تلعبه التكنولوجيا في تفاصيل حياتنا ما يجعل الحصول على المعلومة مهْما كانت صعبة أو سرية أمرا ممكنا وسهلا، ومن ثمة لم يكن مفاجئا لنا نظريا أن "يسرق" جندي مجهول ملايين الوثائق الأمريكية ويسلمها إلى مالك موقع ويكيليكس، لكننا لم نصدق "براءة" التسريبات ولم نقتنع أن الجندي العادي لم يحصل إلا على وثائق تجلد العرب وتقدم بعض زعمائهم في صورة من يعمل ضد شعبه وأمّته فيما ظلت إسرائيل خارج التسريبات، وبدت الإدارة الأمريكية (الراهنة والسابقة) هي من يتحكم في المشهد الدولي كله.
إن نظرية المؤامرة تفرض نفسها، هنا، إذا نظرنا إلى المشهد في شموليته، أي بعيدا عن الشماتة في هذا النظام العربي أو ذاك، وإذا لم نغرق في التفاصيل وتصفية الحساب والنظر أمام أنوفنا.
فالهدف الكبير للتسريبات لم يكن إدانة أنظمة عربية غارقة في الفساد أو تعمل جاهدة من أجل تحقيق الأجندة الأمريكية في المنطقة حتى دون أن تطلب الإدارة الأمريكية ذلك، وإنما تقديم الأمة في صورة سيئة ما يُعطي الانطباع لكل العالم أن هذه الأمة تستحق ما يلحق بها من غزو وحصار ومؤامرات.
ومن ثمة إعطاء مشروعية للحرب الأمريكية على "الإرهاب" واحتلال العراق وتشطير السودان، ثم وأساسا إعطاء "مشروعية أخلاقية" للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ومختلف استتباعاته (إفراغ القدس المحتلة من أهلها الشرعيين، توسيع الاستيطان..).
في هذا السياق، جاءت "التسريبات" الأخيرة لويكيليكس هادفة إلى تصفية السلطة الفلسطينية والاستهانة برموزها والتحريض عليها من خلال كشف علاقتها بالعدوان على غزة نهاية 2008، والتركيز على المراحل المتقدمة التي قطعها التنسيق الأمني بين الاجهزة الأمنية للسلطة والدوائر الأمنية الصهيونية.
وهي رسالة دقيقة في مرحلة دقيقة؛
فالسلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها الرئيس محمود عباس، اكتشفت بعد ما يُقارب العقدين من التفاوض والتنازلات المؤلمة والمجانية أن إسرائيل تفاوض لأجل التفاوض وربح الوقت وليس في نيتها الاعتراف بأي دولة فلسطينية ولو على شبر واحد من الأرض، واكتشفت السلطة من ثمة أنها مجرد لعبة في لعبة أكبر وأوسع مدى، ولذلك سمعنا الرئيس محمود عباس يهدد بالانسحاب والاستقالة في أكثر من مرة، لكنه كان يتراجع تحت ضغوط أمريكية مصرية على وجه الخصوص.
وبالنتيجة، فإن القراءة الإسرائيلية الأمريكية انتهت في هذا السياق إلى نتيجة رئيسية، وهي أن زمن عباس قد انتهى ولا بد من سلطة جديدة تكون قادرة على تقديم المزيد من التنازلات دون سقف ولا ضوابط، وسيكون عرابوها من داخل السلطة ذاتها ممن تمتلك عليهم الدوائر الإسرائيلية ملفات في الفساد والتآمر على شعبها، أو من بين المنظّرين للسلام الاقتصادي الذي يعني ببساطة الأكل مقابل الأرض.
وحين تتوفر الشروط الموضوعية لتشكل "السلطة البديلة" سيُسمح للرئيس محمود عباس أن يستقيل بـ"كرامة" و"عزة نفس"، أو سيُعطى الأمر لـ"المؤسسات الديمقراطية" الفلسطينية أن تقيله (خاصة أنه لم يعُد رئيسا من وجهة نظر قانونية ودستورية) أو تدعو لانتخابات "سابقة لأوانها".
ومن المهم، هنا، الإشارة إلى أن تسريبات ويكيليكس "البريئة" قد تعمّدت تحقيق أهداف جانبية أخرى ستساعدها في الوصول إلى مرحلة "السلطة البديلة"، وأهمها إضعاف حركة فتح ودفع أعضائها ومتعاطفيها إلى أتون الصراع والخلافات الحادة وإعادة الحركة إلى مراحل قديمة كانت قطعت معها وساد فيها خطاب التخوين والعمالة والمزايدة حول الوطنية.
وإضعاف فتح أو شق صفوفها يعني آليا إضعاف أحد أهم مكامن القوة لدى الشعب الفلسطيني (رغم حالة الاختطاف التي تعيشها)، يضاف إليها توسيع دائرة العداء بين القوى والفصائل الوطنية المؤثرة خاصة بعد التسريبات الأخيرة عن التنسيق الأمني التي أعطت حركة حماس الفرصة كي تهاجم فتح بقوة.
ومن ثمة نجحت إسرائيل عبر ويكليكس في أن توسع هوة الخلافات بين الحركتين وتئد ما تبقى من آمال ضعيفة في فرص نجاح جهود المصالحة الوطنية.
ولا بد من التذكير هنا بالتحريض الذي مارسته تسريبات ويكليكس واستهدفت به حزب الله وسلاحه وعلاقته المفترضة بإيران وسوريا، وهو تحريض متماه في الأهداف مع التسريبات الأمريكية الفرنسية السابقة له عن قرار محتمل يصدر عن المحكمة الدولية يورط حزب الله في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، والهدف من وراء هذا كله هو توفير الشروط الموضوعية لمحاصرة الحزب ونزع سلاحه وإعطاء "مبررات" لحرب إسرائيلية مفاجئة ضده.
وفي سياق آخر من وجوه التوظيف الفج والمفضوح التي تمارسها الأطراف التي تقف وراء "تسريبات" ويكيليكس نشير إلى ما جاء من اتهام للرئيس السوداني عمر البشير من سرقة مليارات الدولارات ووضعها بأحد الحسابات الخاصة بالخارج، وهو تسريب يهدف إلى الضغط على البشير حتى لا يكون عقبة أمام عملية الانفصال في الجنوب، وهي عملية تراهن أمريكا على تمريرها بكل السبل في سياق خططها الاستراتيجية لتفتيت الأمة إلى دويلات قزمية ستكون تابعة ومرتهنة للاستعمار الجديد بالضرورة.
وهكذا، لم يكن مفاجئا أن تختص "تسريبات" ويكيليكس بالعرب لتوجد الأرضية اللازمة لمواصلة ابتزازهم والتآمر عليهم.
* نص افتتاحية العرب العالمية (22 – 12 - 2010)
الثلاثاء، 14 ديسمبر 2010
نجاد يملأ الفراغ العربي
مختار الدبابي*
لا شك أن الأوساط الرسمية العربية لم تكن تتصور أن تبلغ الجرأة بالرئيس الإيراني أحمدي نجاد حد زيارة الجنوب اللبناني والمبيت به في ضيافة حزب الله، أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي مرمى السلاح الإسرائيلي الذي يرعب "المعتدلين" العرب ويخافون من مجرد ذكره فما بالنا بالتفكير في الاحتجاج عليه أو التصدي له..
فهذه الخطوة التي توصف عربيا بالمغامرة غير المحسوبة العواقب تكشف عن ثقة عالية بالنفس لدى القيادة الإيرانية وترسل برسائل كثيرة في اتجاهات مختلفة نأمل أن نقرأها نحن العرب ونحسن التعامل معها، ومن هذه الرسائل الإيرانية المشفرة التي جاءت زيارة نجاد لتزيح الستار عن علاماتها ودلالاتها؛
أولا؛ أن طهران التي تقول إنها تتحدى أمريكا وإسرائيل هي تفعل ذلك عمليا وتغالب الوقت لتكون جاهزة للمواجهة المرتقبة وأنها لا تبيع الكلام والشعارات، بل تصنع الصواريخ والمقاتلات والسفن الحربية، وليس في أجندتها تكتيك ولا مناورة يقودان إلى مفاوضات تجلب لها الذل والمهانة لشعبها.
ثانيا؛ أنها صارت رقما إقليميا لا يمكن التغاضي عنه أو تناسي مصالحه في حل أي قضية بالمنطقة، بدءا بالملف اللبناني الذي يمثل حزب الله الحلقة الأهم فيه والطرف الرئيسي الذي يستطيع أن يضمن الاستقرار ويصدّق على التفاهمات والاتفاقيات التي تتم في بعض العواصم العربية بالوكالة ولحساب الغير..
مرورا بالعراق الذي أصبح الدور الإيراني فيه مفصليا ولم تُفد معه الأدوار الخفيفة التي تنهض بها مصر أو السعودية في محاولة لـ"تعريب" الحل خدمة لأمريكا ومحاولة لإخراجها من الأزمة الخانقة وتسهيل انسحابها "المشرف" من بلاد الرافدين..
ووصولا إلى فلسطين حيث أصبحت الفصائل المقاومة تتعلق بالدعم الإيراني كقشة نجاة وحيدة عساها تتصدى للبيع العلني للقضية الذي نهضت به بعض العواصم العربية عبر بوابة مفاوضات السلام الكارثية.
ثالثا؛ الرسالة الإيرانية الجريئة تقول لإسرائيل إن طهران لا تمزح وأن أي غارة إسرائيلية مجنونة على منشآتها النووية مثلما تم سنة 1982 مع مفاعل تموز العراقي لن تمر بلا ثمن سريع وجاهز ومكلف، ولا شك أن إسرائيل ستقرأ الرسالة جيدا خاصة وقد خبرت حرارة رد حزب الله في حرب 2006، وتعرف أن صواريخه ستنطلق على المدن والقرى التي تريد تل أبيب أن تجعلها "يهودية خالصة" بعد أن طردت أهلها سنة 1948 و1967 وتريد إخراج من بقي ثابتا وتحمّل القهر والإذلال والعنصرية.
رابعا؛ نجاد الذي نام البارحة هانئا في ضيافة السيد حسن نصر الله كأنما أراد أن يقول للإدارة الأمريكية إن إيران هي الطرف الوحيد في المنطقة الذي لا مفر من التفاوض معه حتى تحقق واشنطن أجنداتها، فأذرعها العسكرية والسياسية موجودة في لبنان والعراق واليمن، وهي جاهزة للتعاون كما هي جاهزة للحرب.
ولقد استعانت أمريكا بالدعم الإيراني في غزو أفغانستان وخاصة في غزو العراق حيث قدمت طهران خبراتها ووظفت إمكاناتها في الإطاحة بحكم الرئيس صدام حسين واشتركت مع الأمريكيين في تصفية القيادات العسكرية والأمنية والسياسية للعراق وفتحت البلاد لهم ولها ولعملائها على الفوضى والفساد والتهريب.
خامسا؛ والرسالة الإيرانية الأهم التي حملتها زيارة نجاد كانت موجهة للعرب ومفادها أن طهران لن تكتفي بالعراق ولبنان واليمن بل سيصل تأثيرها إلى غزة والسعودية والكويت والبحرين وشمال أفريقيا، وأنها ستملأ الفراغ الذي تركه النظام الرسمي العربي بعد أن تخلى عن القضايا القومية وصار يخوض معارك الأمريكيين بوجه مفضوح.
إن إيران تستفيد بشكل جيد من السلبية الكبيرة التي تتعاطى بها الدول العربية الكبرى و"المعتدلة" مع مختلف القضايا، فماذا بيد حماس أن تفعل إذا كانت مصر تتولى مهمة حصارها وتجويعها ومنعها من مقاومة الاحتلال سوى أن تمد اليد للمال الإيراني، وكيف يمكن أن يكره الشارع العربي طهران إذا كانت تدعم حزب الله بالسلاح والتدريب والمال ليتصدى لإسرائيل ويطردها من لبنان ويحرر أراضيه؟
والمؤسف أن الدول العربية "المعتدلة" لا تحارب إيران إعلاميا ولا تسعى لقصقصة أجنحتها في لبنان وغزة والعراق رفضا لدورها الطائفي بالعراق أو لبنان، ولا انتصارا للأمة أو للمذهب السني أو لزوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما استجابة للرغبة الأمريكية وانخراطا مجانيا في حرب واشنطن المفتوحة (سياسيا واقتصاديا وإعلاميا) على طهران، وإلا أين كانت الآلة الإعلامية "العربية" حين وضعت إيران اليد في اليد مع أمريكا في احتلال العراق وتدميره وضرب وحدته الوطنية، ألم تفتح الكويت والرياض والدوحة أراضيها أمام القوات الأمريكية كي تدخل "آمنة" أرض العراق؟
إن بعض الزعامات العربية لا تُفكّر إلا في اللحظة الراهنة وتريد من الاصطفاف المجاني وراء الإدارة الأمريكية تحقيق أهداف خاصة كفرض التوريث أو تصفية بعض الخصوم السياسيين، لكن هذه اللعبة ستكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل الأمة وعلى مستقبل هذه الأنظمة ذاتها، فالحرب بين أمريكا وإيران إما أنها ستدخل المنطقة في حالة من الفوضى الأمنية وهو ما سيعيد المنطقة إلى نقطة الصفر ويضرب المكتسبات التي حققتها ويغذي الإرهاب والعنف ولن تحقق هذه الأنظمة منها شيئا بل ستكون أول المتضررين، وإما أن تؤول الحرب إلى منتصر (طهران أو واشنطن) يتحكم في رقاب العرب ونفطهم وخيراتهم ووقتها لن يجد بعض الزعماء المتحمسين لضرب إيران خدمة للمشروع الأمريكي أي حظوة سوى التذلل والمسكنة .
إن رسائل نجاد التي رمى بها في وجوه الأمريكيين والإسرائيليين و"المعتدلين" العرب فرصة هامة ليقف العرب على الحقيقة ويعيدوا حساباتهم الآنية الضيقة ويفكروا في المستقبل.
* نص افتتاحية العرب العالمية (14 - 1 - 2010)
لا شك أن الأوساط الرسمية العربية لم تكن تتصور أن تبلغ الجرأة بالرئيس الإيراني أحمدي نجاد حد زيارة الجنوب اللبناني والمبيت به في ضيافة حزب الله، أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي مرمى السلاح الإسرائيلي الذي يرعب "المعتدلين" العرب ويخافون من مجرد ذكره فما بالنا بالتفكير في الاحتجاج عليه أو التصدي له..
فهذه الخطوة التي توصف عربيا بالمغامرة غير المحسوبة العواقب تكشف عن ثقة عالية بالنفس لدى القيادة الإيرانية وترسل برسائل كثيرة في اتجاهات مختلفة نأمل أن نقرأها نحن العرب ونحسن التعامل معها، ومن هذه الرسائل الإيرانية المشفرة التي جاءت زيارة نجاد لتزيح الستار عن علاماتها ودلالاتها؛
أولا؛ أن طهران التي تقول إنها تتحدى أمريكا وإسرائيل هي تفعل ذلك عمليا وتغالب الوقت لتكون جاهزة للمواجهة المرتقبة وأنها لا تبيع الكلام والشعارات، بل تصنع الصواريخ والمقاتلات والسفن الحربية، وليس في أجندتها تكتيك ولا مناورة يقودان إلى مفاوضات تجلب لها الذل والمهانة لشعبها.
ثانيا؛ أنها صارت رقما إقليميا لا يمكن التغاضي عنه أو تناسي مصالحه في حل أي قضية بالمنطقة، بدءا بالملف اللبناني الذي يمثل حزب الله الحلقة الأهم فيه والطرف الرئيسي الذي يستطيع أن يضمن الاستقرار ويصدّق على التفاهمات والاتفاقيات التي تتم في بعض العواصم العربية بالوكالة ولحساب الغير..
مرورا بالعراق الذي أصبح الدور الإيراني فيه مفصليا ولم تُفد معه الأدوار الخفيفة التي تنهض بها مصر أو السعودية في محاولة لـ"تعريب" الحل خدمة لأمريكا ومحاولة لإخراجها من الأزمة الخانقة وتسهيل انسحابها "المشرف" من بلاد الرافدين..
ووصولا إلى فلسطين حيث أصبحت الفصائل المقاومة تتعلق بالدعم الإيراني كقشة نجاة وحيدة عساها تتصدى للبيع العلني للقضية الذي نهضت به بعض العواصم العربية عبر بوابة مفاوضات السلام الكارثية.
ثالثا؛ الرسالة الإيرانية الجريئة تقول لإسرائيل إن طهران لا تمزح وأن أي غارة إسرائيلية مجنونة على منشآتها النووية مثلما تم سنة 1982 مع مفاعل تموز العراقي لن تمر بلا ثمن سريع وجاهز ومكلف، ولا شك أن إسرائيل ستقرأ الرسالة جيدا خاصة وقد خبرت حرارة رد حزب الله في حرب 2006، وتعرف أن صواريخه ستنطلق على المدن والقرى التي تريد تل أبيب أن تجعلها "يهودية خالصة" بعد أن طردت أهلها سنة 1948 و1967 وتريد إخراج من بقي ثابتا وتحمّل القهر والإذلال والعنصرية.
رابعا؛ نجاد الذي نام البارحة هانئا في ضيافة السيد حسن نصر الله كأنما أراد أن يقول للإدارة الأمريكية إن إيران هي الطرف الوحيد في المنطقة الذي لا مفر من التفاوض معه حتى تحقق واشنطن أجنداتها، فأذرعها العسكرية والسياسية موجودة في لبنان والعراق واليمن، وهي جاهزة للتعاون كما هي جاهزة للحرب.
ولقد استعانت أمريكا بالدعم الإيراني في غزو أفغانستان وخاصة في غزو العراق حيث قدمت طهران خبراتها ووظفت إمكاناتها في الإطاحة بحكم الرئيس صدام حسين واشتركت مع الأمريكيين في تصفية القيادات العسكرية والأمنية والسياسية للعراق وفتحت البلاد لهم ولها ولعملائها على الفوضى والفساد والتهريب.
خامسا؛ والرسالة الإيرانية الأهم التي حملتها زيارة نجاد كانت موجهة للعرب ومفادها أن طهران لن تكتفي بالعراق ولبنان واليمن بل سيصل تأثيرها إلى غزة والسعودية والكويت والبحرين وشمال أفريقيا، وأنها ستملأ الفراغ الذي تركه النظام الرسمي العربي بعد أن تخلى عن القضايا القومية وصار يخوض معارك الأمريكيين بوجه مفضوح.
إن إيران تستفيد بشكل جيد من السلبية الكبيرة التي تتعاطى بها الدول العربية الكبرى و"المعتدلة" مع مختلف القضايا، فماذا بيد حماس أن تفعل إذا كانت مصر تتولى مهمة حصارها وتجويعها ومنعها من مقاومة الاحتلال سوى أن تمد اليد للمال الإيراني، وكيف يمكن أن يكره الشارع العربي طهران إذا كانت تدعم حزب الله بالسلاح والتدريب والمال ليتصدى لإسرائيل ويطردها من لبنان ويحرر أراضيه؟
والمؤسف أن الدول العربية "المعتدلة" لا تحارب إيران إعلاميا ولا تسعى لقصقصة أجنحتها في لبنان وغزة والعراق رفضا لدورها الطائفي بالعراق أو لبنان، ولا انتصارا للأمة أو للمذهب السني أو لزوجات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما استجابة للرغبة الأمريكية وانخراطا مجانيا في حرب واشنطن المفتوحة (سياسيا واقتصاديا وإعلاميا) على طهران، وإلا أين كانت الآلة الإعلامية "العربية" حين وضعت إيران اليد في اليد مع أمريكا في احتلال العراق وتدميره وضرب وحدته الوطنية، ألم تفتح الكويت والرياض والدوحة أراضيها أمام القوات الأمريكية كي تدخل "آمنة" أرض العراق؟
إن بعض الزعامات العربية لا تُفكّر إلا في اللحظة الراهنة وتريد من الاصطفاف المجاني وراء الإدارة الأمريكية تحقيق أهداف خاصة كفرض التوريث أو تصفية بعض الخصوم السياسيين، لكن هذه اللعبة ستكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل الأمة وعلى مستقبل هذه الأنظمة ذاتها، فالحرب بين أمريكا وإيران إما أنها ستدخل المنطقة في حالة من الفوضى الأمنية وهو ما سيعيد المنطقة إلى نقطة الصفر ويضرب المكتسبات التي حققتها ويغذي الإرهاب والعنف ولن تحقق هذه الأنظمة منها شيئا بل ستكون أول المتضررين، وإما أن تؤول الحرب إلى منتصر (طهران أو واشنطن) يتحكم في رقاب العرب ونفطهم وخيراتهم ووقتها لن يجد بعض الزعماء المتحمسين لضرب إيران خدمة للمشروع الأمريكي أي حظوة سوى التذلل والمسكنة .
إن رسائل نجاد التي رمى بها في وجوه الأمريكيين والإسرائيليين و"المعتدلين" العرب فرصة هامة ليقف العرب على الحقيقة ويعيدوا حساباتهم الآنية الضيقة ويفكروا في المستقبل.
* نص افتتاحية العرب العالمية (14 - 1 - 2010)
استهداف حزب الله: خنق لإيران أم استئصال للمقاومة؟
مختار الدبابي*
ليس هناك شك في أن ثمة مسرحية تعدها المحكمة الدولية الخاصة بقضية الحريري تنتهي فيها إلى اتهام حزب الله بالوقوف وراء الجريمة، وهو اتهام ممكن بل وأكيد لما خبره العرب عن بعض المنظمات التي تزعم أنها تعبّر عن القانون الدولي وتدافع عنه، وهي في الحقيقة أداة بيد الولايات المتحدة تمارس عبرها التضليل والابتزاز وتُمرر عبرها مشاريعها وخططها في محاصرة القوى التي يمكن أن تُعيق تمددها الاستعماري وهيمنتها على مقدرات الشعوب.
والأمثلة هنا كثيرة، وعلى رأسها المسرحية التي بررت غزو العراق بزعم أنه يمتلك أسلحة "محرمة" دوليا، ليتضح أن الاتهام قام على النية المبيتة وعلى مؤامرة اشتركت فيها الوكالة الذرية للطاقة والاستخبارات الأمريكية وبعض الأنظمة العربية "المعتدلة"، والقصة وما فيها أن العراق رفض أن يدخل بيت الطاعة الأمريكي وأن يهب نفطه وخيراته بأرخص الأثمان إلى قوى الاستعمار الجديد كما يفعل جيرانه العرب.
والقصة ذاتها تجري مع الرئيس السوداني عمر البشير الذي تطالب المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله بدعوى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لكن الحقيقة أن الرجل رفض أن يكون عرّابا لتفتيت بلاده أو وضع نفطها تحت القبضة الأمريكية.
ولا شك أن الحرب الإعلامية المفتوحة على حزب الله والتسريبات التي تبرز هنا وهناك عن دور مزعوم له في اغتيال الحريري لا تعدو أن تكون جزءا من ذات اللعبة، أي تحضير الشروط السياسية والإعلامية والقانونية اللازمة لضرب هذا الحزب سواء بحرب خارجية تتولاها إسرائيل أو من خلال توتير الوضع الداخلي ودفع اللبنانيين إلى حرب أهلية جديدة تستنفد إمكانيات الحزب وتقلّص من دائرة التعاطف الشعبي معه، وهي دائرة كبيرة وواسعة خاصة أن غالبية اللبنانيين تعترف لهذا الحزب المقاوم بالفضل الكبير في تحرير الأرض وطرد الاحتلال الإسرائيلي سنة 2000 ثم هزمه في معركة شرف كبيرة سنة 2006.
وإذا كانت لحظة استهداف حزب الله قادمة لا محالة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: مع من سيقف العرب؟
وهذا السؤال عنده مشروعية لدى الكثيرين، فهناك قناعة لدى طائفة من الجمهور العربي بأن الحزب لا يعدو أن يكون ذراعا إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة وبوابة تفاوض وابتزاز على حساب القضايا العربية، محتجين بالدور المتآمر الذي لعبته إيران في غزو العراق والدعم الواسع الذي وفرته للقوات المحتلة.
وباعتقادنا أن التعامل العربي مع حزب الله يجب أن يغادر دائرة الحسابات الضيقة، لأن استهداف حزب الله وتصفية إمكانياته المقاومة الهدف الاستراتيجي منه هو ضرب القوى التي تُزعج إسرائيل وتهدد أمنها سواء تعلّق الأمر بحزب الله أو حماس أو الجهاد، تماما مثلما وقع الأمر مع حركة فتح سنة 1982 التي تم تشتيت مقاوميها في المنافي ولم تعُد إلا بعد أن اختارت قيادتها التخلي عن المقاومة ودخلت إلى مظلة التفاوض والاستسلام.
إن القوى الحية في الأمة سواء أكانت أحزابا أو حركات سياسية أو قوى فكرية وإعلامية أو جمهورا مطالبة بأن تنسى الخلافات المذهبية والتفاصيل الثانوية وتنحاز إلى حزب الله وتدعم وقوفه في وجه الصلف الأمريكي والصهيوني لأن نجاح الأعداء في هزمه عسكريا أو تجريده من السلاح يعني آليا فتح الباب أمام إسرائيل كي تتولى تصفية القضية الفلسطينية بالأسلوب الذي تريد، وفرض التطبيع على دول المنطقة بالشروط التي تضمن تفوقها الاستراتيجي.
بعد تصفية حزب الله أو تحجيم دوره سيأتي الدور على حماس والجهاد ومختلف المجموعات التي ما تزال تؤمن بالمقاومة ولو نظريا، ولا يبقى للأمة من خيار سوى التسليم بالأمر الواقع، ولا يمكن بأي حال أن تنخدع القوى الحية في الأمة باللعبة الإعلامية التي تتولاها بعض الأنظمة العربية والتي تريد أن تغيّر طبيعة الصراع وتجر الجميع إلى أتون الصراع المذهبي والطائفي لتصبح المعركة مع إيران بدل أن يتعمّق وعي أمتنا بالعداء لإسرائيل باعتبارها صنيعة امبريالية أريد لها أن تتولى منع العرب من خوض معارك التنمية والتطوير والتحديث وامتلاك ناصية العلم.
إن دول "الاعتدال" العربي التي تُحرّض على حزب الله وتُحرض على حماس، كما حرضت سابقا على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ليس لها من دور أو مهمة سوى تنفيذ الأجندات الأمريكية دون تفكير في المضار التي ستلحق بأمتهم بل وبأقطارهم وأمنها واقتصادها ومستقبلها.. هذه الأنظمة لا يهمها سوى الحفاظ على السلطة وضمان انتقالها بشكل سلس بين أفراد العائلات المستفيدة من بيع الذمة للأمريكيين والإسرائيليين.
وهكذا فإن استهداف حزب الله حتى وإن كان ضربة أمريكية موجعة لإيران، فهو في صميمه استهداف للأمة وقواها المقاومة وستكون له تداعيات خطيرة على المستقبل القريب والبعيد.
* نص افتتاحية العرب العالمية (24 - 11 - 2010)
ليس هناك شك في أن ثمة مسرحية تعدها المحكمة الدولية الخاصة بقضية الحريري تنتهي فيها إلى اتهام حزب الله بالوقوف وراء الجريمة، وهو اتهام ممكن بل وأكيد لما خبره العرب عن بعض المنظمات التي تزعم أنها تعبّر عن القانون الدولي وتدافع عنه، وهي في الحقيقة أداة بيد الولايات المتحدة تمارس عبرها التضليل والابتزاز وتُمرر عبرها مشاريعها وخططها في محاصرة القوى التي يمكن أن تُعيق تمددها الاستعماري وهيمنتها على مقدرات الشعوب.
والأمثلة هنا كثيرة، وعلى رأسها المسرحية التي بررت غزو العراق بزعم أنه يمتلك أسلحة "محرمة" دوليا، ليتضح أن الاتهام قام على النية المبيتة وعلى مؤامرة اشتركت فيها الوكالة الذرية للطاقة والاستخبارات الأمريكية وبعض الأنظمة العربية "المعتدلة"، والقصة وما فيها أن العراق رفض أن يدخل بيت الطاعة الأمريكي وأن يهب نفطه وخيراته بأرخص الأثمان إلى قوى الاستعمار الجديد كما يفعل جيرانه العرب.
والقصة ذاتها تجري مع الرئيس السوداني عمر البشير الذي تطالب المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله بدعوى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لكن الحقيقة أن الرجل رفض أن يكون عرّابا لتفتيت بلاده أو وضع نفطها تحت القبضة الأمريكية.
ولا شك أن الحرب الإعلامية المفتوحة على حزب الله والتسريبات التي تبرز هنا وهناك عن دور مزعوم له في اغتيال الحريري لا تعدو أن تكون جزءا من ذات اللعبة، أي تحضير الشروط السياسية والإعلامية والقانونية اللازمة لضرب هذا الحزب سواء بحرب خارجية تتولاها إسرائيل أو من خلال توتير الوضع الداخلي ودفع اللبنانيين إلى حرب أهلية جديدة تستنفد إمكانيات الحزب وتقلّص من دائرة التعاطف الشعبي معه، وهي دائرة كبيرة وواسعة خاصة أن غالبية اللبنانيين تعترف لهذا الحزب المقاوم بالفضل الكبير في تحرير الأرض وطرد الاحتلال الإسرائيلي سنة 2000 ثم هزمه في معركة شرف كبيرة سنة 2006.
وإذا كانت لحظة استهداف حزب الله قادمة لا محالة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: مع من سيقف العرب؟
وهذا السؤال عنده مشروعية لدى الكثيرين، فهناك قناعة لدى طائفة من الجمهور العربي بأن الحزب لا يعدو أن يكون ذراعا إيرانية في مواجهة الولايات المتحدة وبوابة تفاوض وابتزاز على حساب القضايا العربية، محتجين بالدور المتآمر الذي لعبته إيران في غزو العراق والدعم الواسع الذي وفرته للقوات المحتلة.
وباعتقادنا أن التعامل العربي مع حزب الله يجب أن يغادر دائرة الحسابات الضيقة، لأن استهداف حزب الله وتصفية إمكانياته المقاومة الهدف الاستراتيجي منه هو ضرب القوى التي تُزعج إسرائيل وتهدد أمنها سواء تعلّق الأمر بحزب الله أو حماس أو الجهاد، تماما مثلما وقع الأمر مع حركة فتح سنة 1982 التي تم تشتيت مقاوميها في المنافي ولم تعُد إلا بعد أن اختارت قيادتها التخلي عن المقاومة ودخلت إلى مظلة التفاوض والاستسلام.
إن القوى الحية في الأمة سواء أكانت أحزابا أو حركات سياسية أو قوى فكرية وإعلامية أو جمهورا مطالبة بأن تنسى الخلافات المذهبية والتفاصيل الثانوية وتنحاز إلى حزب الله وتدعم وقوفه في وجه الصلف الأمريكي والصهيوني لأن نجاح الأعداء في هزمه عسكريا أو تجريده من السلاح يعني آليا فتح الباب أمام إسرائيل كي تتولى تصفية القضية الفلسطينية بالأسلوب الذي تريد، وفرض التطبيع على دول المنطقة بالشروط التي تضمن تفوقها الاستراتيجي.
بعد تصفية حزب الله أو تحجيم دوره سيأتي الدور على حماس والجهاد ومختلف المجموعات التي ما تزال تؤمن بالمقاومة ولو نظريا، ولا يبقى للأمة من خيار سوى التسليم بالأمر الواقع، ولا يمكن بأي حال أن تنخدع القوى الحية في الأمة باللعبة الإعلامية التي تتولاها بعض الأنظمة العربية والتي تريد أن تغيّر طبيعة الصراع وتجر الجميع إلى أتون الصراع المذهبي والطائفي لتصبح المعركة مع إيران بدل أن يتعمّق وعي أمتنا بالعداء لإسرائيل باعتبارها صنيعة امبريالية أريد لها أن تتولى منع العرب من خوض معارك التنمية والتطوير والتحديث وامتلاك ناصية العلم.
إن دول "الاعتدال" العربي التي تُحرّض على حزب الله وتُحرض على حماس، كما حرضت سابقا على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ليس لها من دور أو مهمة سوى تنفيذ الأجندات الأمريكية دون تفكير في المضار التي ستلحق بأمتهم بل وبأقطارهم وأمنها واقتصادها ومستقبلها.. هذه الأنظمة لا يهمها سوى الحفاظ على السلطة وضمان انتقالها بشكل سلس بين أفراد العائلات المستفيدة من بيع الذمة للأمريكيين والإسرائيليين.
وهكذا فإن استهداف حزب الله حتى وإن كان ضربة أمريكية موجعة لإيران، فهو في صميمه استهداف للأمة وقواها المقاومة وستكون له تداعيات خطيرة على المستقبل القريب والبعيد.
* نص افتتاحية العرب العالمية (24 - 11 - 2010)
الاستعمار الجديد يلعب ورقة مسيحيي الشرق
مختار الدبابي*
أعادت عملية احتجاز الرهائن في كنيسة "سيدة النجاة" ببغداد والمجزرة الدموية التي تلت اقتحامها من قبل القوات الأمريكية والعراقية إلى الواجهة وضع مسيحيي العراق ومن ورائهم مسيحيو الشرق ككل، وهناك تركيز في وسائل الإعلام الأجنبية على أنهم مستهدفون في هذه اللحظة، ولكن لماذا؟ ومن يستهدفهم؟
ونود من البداية التأكيد على أن المسيحيين والمسلمين في الوطن العربي، ورغم ما بينهم من اختلافات دينية، عاشوا قرونا طويلة في تعايش مبني على الاحترام الديني والاعتراف بحق الآخر في العبادة والعمل والمواطنة وإن اختلفت التسميات.
وحالة العداء الإسلامي المسيحي لم تكن موجودة في فترة الاستعمار ولا في العقود الأولى لتشكل الدولة الوطنية، بل إن أسماء بارزة من المسيحيين ساهمت في تأسيس القومية العربية والتنظير لها ما يعني أن المسيحيين كانوا في قلب الجهد القومي والوطني من أجل التحرر وبناء الدولة الوطنية الحديثة، فمتى إذن صعدت إلى الواجهة قضية مسيحيي الشرق؟
الصعود الأول لهذه القضية كان إبان الحرب الأهلية في لبنان، وهي حرب دينية وطائفية في ظاهرها لكن الأحداث كشفت عن دور كبير فيها للاستعمار بوجهيه؛ القديم والجديد، ففرنسا كانت مورطة وأمريكا وإسرائيل دخلا طرفا في القضية وحاولا توظيف مجموعات مسيحية في معركة لي الذراع مع سوريا، وهذه الحرب خسر فيها المسيحيون كما خسرت بقية مكونات المجتمع اللبناني بأوجهها الطائفية المختلفة.
أما مسيحيو العراق فالجميع يشهد أنهم عاشوا طيلة عقود الدولة العراقية الحديثة وخاصة في ظل حكم البعث كمواطنين مثلهم مثل الأكراد والشيعة والسنة، وهذه التسميات والأوصاف الطائفية لم تكن موجودة أصلا في قاموس هذا البلد الذي عامل أبناءه على قدر كامل من المساواة وبعدل ونزاهة.
وما يؤكد هذا هو وجود السيد طارق عزيز في وزارة الخارجية العراقية حيث كان صوت العراق إلى الخارج والمعبر عن عدالة قضيته، وهو شخصية وطنية نموذجية وعنوان صادق على تلك المساواة..
لكن التمييز ضد مسيحيي الشرق لم يظهر إلا مع الاحتلال الأمريكي هذا الذي أطلق أيدي المليشيات الطائفية والمذهبية تنهش لحم البلد بكل مكوناته، ومثلما تعرض المسيحيون للتهجير والقتل فقد تعرض جزء من شيعة العراق إلى القتل العبثي وتمارس ضد سنة العراق أشكال كثيرة من التمييز والقهر والإذلال.
لو كان الاحتلال الأمريكي مدافعا عن المسيحيين كما يسوّق لذلك الإعلام الغربي كذبا وبهتانا لما سلّم هذا الاحتلال طارق عزيز المسيحي الوطني الشريف إلى المليشيات الطائفية الحاكمة لتمارس عليه التعذيب والإذلال وتحكم عليه بالإعدام في مسرحية قضائية ساذجة.
إن إثارة تصعيد قضية مسيحيي العراق إلى الواجهة الإعلامية الغاية منها البحث عن تعاطف الشارع الغربي مع الاحتلال، خاصة أن الامبراطورية الأمريكية سقطت سقوطا أخلاقيا مدويا وتمرغت صورتها في الوحل بعد أن اكتشف العالم، وخاصة الشارع الأمريكي والأوروبي، أن الحرب على العراق قامت على أكاذيب..
فضلا عن أن الاحتلال داس خلالها على كل المواثيق والقيم الإنسانية ومارس التعذيب في أبشع صوره وفتح العراق مشرعا أمام الفساد والنهب وحوّله من بلاد للحضارة إلى غابة يداس فيها على كل القيم النبيلة.
من المهم أن يحذر مسلمو الشرق تماما مثل مسيحييه من أن الامبراطورية الامبريالية تريد أن تُفتت الأمة إلى دويلات قزمية، وهي مثلما وظفت العداء التاريخي بين الشيعة والسنة في إثارة حرب أهلية بالعراق خلفت آلاف القتلى والجرحى والمشردين، ها هي الآن تحاول أن توظف المسيحيين في لعبتها القذرة لضمان تفتيت العراق والسودان وحتى مصر.
إن انفصال جنوب السودان عن شماله لا يمكن أن ينتهي إلى جنة بالنسبة إلى مسيحيي السودان، فأمريكا لا يعنيها من المسألة إلا أمر واحد هو تقسيم هذا البلد الذي ينهض على إمكانيات جغرافية وطبيعية هائلة إلى دويلات صغيرة لا تستطيع أن تعيش دون المظلة الأمريكية، وهو ما يجعل خيرات السودان الطبيعية والنفطية في قبضة أمريكا تفعل بها كما تشاء مثل ما تفعل الآن بخيرات الخليج العربي.
ومع الأسف، ومثلما اغتر بعض المسلمين العرب بالخطاب الأمريكي المضلل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتآمروا معها ضد بلدانهم، فإن بعض الأطراف المسيحية العربية (المصرية على وجه الخصوص) وضعوا أنفسهم في خدمة الامبراطورية الامبريالية واهمين أنها ستتدخل لفائدتهم وتفرض لهم مراكز متقدمة في صنع القرار وفي البرلمان وفي الإدارة وغيرها.
ليس أمام أبناء الأمة مهما كانت مذاهبهم وطوائفهم وأديانهم سوى مصير مشترك إما أن ينهضوا به معاً في سياق وحدة وطنية تقر حق الاختلاف وتنهض على مبدإ المواطنة، أو يسقطوا جميعا تحت الاستعمار في ثوبه الجديد، وهو استعمار أشد وقعا وأكثر عدوانية.
*نص افتتاحية العرب العالمية (2 - 11 - 2010)
أعادت عملية احتجاز الرهائن في كنيسة "سيدة النجاة" ببغداد والمجزرة الدموية التي تلت اقتحامها من قبل القوات الأمريكية والعراقية إلى الواجهة وضع مسيحيي العراق ومن ورائهم مسيحيو الشرق ككل، وهناك تركيز في وسائل الإعلام الأجنبية على أنهم مستهدفون في هذه اللحظة، ولكن لماذا؟ ومن يستهدفهم؟
ونود من البداية التأكيد على أن المسيحيين والمسلمين في الوطن العربي، ورغم ما بينهم من اختلافات دينية، عاشوا قرونا طويلة في تعايش مبني على الاحترام الديني والاعتراف بحق الآخر في العبادة والعمل والمواطنة وإن اختلفت التسميات.
وحالة العداء الإسلامي المسيحي لم تكن موجودة في فترة الاستعمار ولا في العقود الأولى لتشكل الدولة الوطنية، بل إن أسماء بارزة من المسيحيين ساهمت في تأسيس القومية العربية والتنظير لها ما يعني أن المسيحيين كانوا في قلب الجهد القومي والوطني من أجل التحرر وبناء الدولة الوطنية الحديثة، فمتى إذن صعدت إلى الواجهة قضية مسيحيي الشرق؟
الصعود الأول لهذه القضية كان إبان الحرب الأهلية في لبنان، وهي حرب دينية وطائفية في ظاهرها لكن الأحداث كشفت عن دور كبير فيها للاستعمار بوجهيه؛ القديم والجديد، ففرنسا كانت مورطة وأمريكا وإسرائيل دخلا طرفا في القضية وحاولا توظيف مجموعات مسيحية في معركة لي الذراع مع سوريا، وهذه الحرب خسر فيها المسيحيون كما خسرت بقية مكونات المجتمع اللبناني بأوجهها الطائفية المختلفة.
أما مسيحيو العراق فالجميع يشهد أنهم عاشوا طيلة عقود الدولة العراقية الحديثة وخاصة في ظل حكم البعث كمواطنين مثلهم مثل الأكراد والشيعة والسنة، وهذه التسميات والأوصاف الطائفية لم تكن موجودة أصلا في قاموس هذا البلد الذي عامل أبناءه على قدر كامل من المساواة وبعدل ونزاهة.
وما يؤكد هذا هو وجود السيد طارق عزيز في وزارة الخارجية العراقية حيث كان صوت العراق إلى الخارج والمعبر عن عدالة قضيته، وهو شخصية وطنية نموذجية وعنوان صادق على تلك المساواة..
لكن التمييز ضد مسيحيي الشرق لم يظهر إلا مع الاحتلال الأمريكي هذا الذي أطلق أيدي المليشيات الطائفية والمذهبية تنهش لحم البلد بكل مكوناته، ومثلما تعرض المسيحيون للتهجير والقتل فقد تعرض جزء من شيعة العراق إلى القتل العبثي وتمارس ضد سنة العراق أشكال كثيرة من التمييز والقهر والإذلال.
لو كان الاحتلال الأمريكي مدافعا عن المسيحيين كما يسوّق لذلك الإعلام الغربي كذبا وبهتانا لما سلّم هذا الاحتلال طارق عزيز المسيحي الوطني الشريف إلى المليشيات الطائفية الحاكمة لتمارس عليه التعذيب والإذلال وتحكم عليه بالإعدام في مسرحية قضائية ساذجة.
إن إثارة تصعيد قضية مسيحيي العراق إلى الواجهة الإعلامية الغاية منها البحث عن تعاطف الشارع الغربي مع الاحتلال، خاصة أن الامبراطورية الأمريكية سقطت سقوطا أخلاقيا مدويا وتمرغت صورتها في الوحل بعد أن اكتشف العالم، وخاصة الشارع الأمريكي والأوروبي، أن الحرب على العراق قامت على أكاذيب..
فضلا عن أن الاحتلال داس خلالها على كل المواثيق والقيم الإنسانية ومارس التعذيب في أبشع صوره وفتح العراق مشرعا أمام الفساد والنهب وحوّله من بلاد للحضارة إلى غابة يداس فيها على كل القيم النبيلة.
من المهم أن يحذر مسلمو الشرق تماما مثل مسيحييه من أن الامبراطورية الامبريالية تريد أن تُفتت الأمة إلى دويلات قزمية، وهي مثلما وظفت العداء التاريخي بين الشيعة والسنة في إثارة حرب أهلية بالعراق خلفت آلاف القتلى والجرحى والمشردين، ها هي الآن تحاول أن توظف المسيحيين في لعبتها القذرة لضمان تفتيت العراق والسودان وحتى مصر.
إن انفصال جنوب السودان عن شماله لا يمكن أن ينتهي إلى جنة بالنسبة إلى مسيحيي السودان، فأمريكا لا يعنيها من المسألة إلا أمر واحد هو تقسيم هذا البلد الذي ينهض على إمكانيات جغرافية وطبيعية هائلة إلى دويلات صغيرة لا تستطيع أن تعيش دون المظلة الأمريكية، وهو ما يجعل خيرات السودان الطبيعية والنفطية في قبضة أمريكا تفعل بها كما تشاء مثل ما تفعل الآن بخيرات الخليج العربي.
ومع الأسف، ومثلما اغتر بعض المسلمين العرب بالخطاب الأمريكي المضلل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتآمروا معها ضد بلدانهم، فإن بعض الأطراف المسيحية العربية (المصرية على وجه الخصوص) وضعوا أنفسهم في خدمة الامبراطورية الامبريالية واهمين أنها ستتدخل لفائدتهم وتفرض لهم مراكز متقدمة في صنع القرار وفي البرلمان وفي الإدارة وغيرها.
ليس أمام أبناء الأمة مهما كانت مذاهبهم وطوائفهم وأديانهم سوى مصير مشترك إما أن ينهضوا به معاً في سياق وحدة وطنية تقر حق الاختلاف وتنهض على مبدإ المواطنة، أو يسقطوا جميعا تحت الاستعمار في ثوبه الجديد، وهو استعمار أشد وقعا وأكثر عدوانية.
*نص افتتاحية العرب العالمية (2 - 11 - 2010)
الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010
إيران انتصرت في العراق.. ولو إلى حين
مختار الدبابي
كل الدلائل تقول إن إيران فرضت خيارها بالعراق وإن المالكي سيكون رئيس الوزراء القادم، وإن الإدارة الأمريكية أحنت رأسها للعاصفة وقبلت بالمالكي على مضض، وإنها ستتخلى عن علاوي مرشحا لرئاسة الوزراء؛ ومن ثمة سقطت وعودها لبعض الأطراف السنية التي قبلت بمظلة علاوي رغم اختلافها مع تاريخه وطبيعة برنامجه.
إيران أثبتت أنها لاعب قوي في العراق، ليس فقط من خلال فوز الأطراف التابعة مذهبيا وسياسيا لها مثل أحزاب: الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري والفضيلة، وإنما، أيضا، تميزت إيران بأنها نجحت في إدارة ملف العراق في سياق حربها السياسية والدبلوماسية مع الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية التابعة لسطوة البيت الأبيض.
فواشنطن توهمت أنها أجرت الانتخابات في العراق وفق مقاساتها، وأن النتائج ستسمح لها بالمرور إلى خطوة هامة في حربها ضد طهران، وهي خطوة تقليص قواتها من على الأرض والاكتفاء بأعداد محدودة في القواعد العسكرية مع توفير عشرات الآلاف من المرتزقة بغاية فتح باب الحرب على إيران دون أن تكون رقبة الولايات المتحدة على المقصلة.
وهذا يعني ألا يكون الأمريكيون بالعراق رهائن لهجوم إيراني محتمل، وأن يتولى المرتزقة "أو لنسمهم بالمصطلح الشائع العاملين في الشركات الأمنية" مهمة التعطيل والتخريب وتوتير الوضع الأمني، لكن الخطة الأمريكية كانت تفترض بالضرورة تشكيل حكومة عراقية "صديقة" تحوز القبول الإقليمي ويكون دورها الأساسي قصقصة أجنحة إيران في العراق وإلهاء الأطراف التابعة لها بقضايا ثانوية ذات تفاصيل تشريعية وقانونية ووقف هيمنتها على وزارات السيادة "الأمن، الجيش، المالية، النفط".
لكن المشروع الأمريكي مهدد بالسقوط في الماء مع التفوق الإيراني العالي في مجال المناورة وحبك التحالفات وقراءة بنود الدستور الذي صاغه بريمر على هواه وتركه مليئا بالمطبات، أو لنقل بوضوح إن إيران هي من مررت تلك المطبات ووضعت البنود الملغمة في طريقه، لكن بريمر، الكوبوي المغرور، وقع في المحظور من حيث توهم أنه وضع الدستور على المقاسات الأمريكية.
ورغم أن واشنطن حرّكت "صداقاتها" في المنطقة لدعم علاوي قبل النجاح في الانتخابات وبعدها، لكن السخاء السعودي و"الود" السوري لم يفلحا في تقوية علاوي والجبهة التي شكلها والصعود بها إلى هرم السلطة، بل إن هذه الجبهة مرشحة للانفجار الآن، خاصة مع تلميحات طارق الهاشمي في تصريحاته المختلفة بأن لا مشكلة له مع حكومة يشكلها المالكي.
والحقيقة التي تتخفى عن أعين البعض أن "قائمة" علاوي هي في عمقها قائمة سنية أضيف إليها بعض "العلمانيين" المرتبطين تاريخيا بأمريكا ودول "الاعتدال" الخليجي، وبعض البعثيين "التائبين" الذين وضعوا الساق في الركاب الأمريكي، وحاولت تقديم نفسها في صورة الجبهة غير الطائفية ملوحة بشعارات الوطنية، والعمق العربي، ومحاربة الطائفية.
وقراءتنا للاتجاهات الحدث أن الهاشمي هو من سيقرأ الفاتحة على روح هذه "القائمة"، فهذا الرجل ذو الخط الإخواني البراغماتي الذي يبحث عن "المصلحة"، ولو لدى الشيطان "الإيراني والأمريكي على السواء"'، سوف يدير ظهره لعلاوي وجماعته ويلتحق بحكومة المالكي، خاصة أن واشنطن ومن ورائها الرياض ستتعاملان مع الحكومة "الإيرانية" الجديدة وستحاولان اختبار فاعلية الوعود التي يقدمها السيد المالكي، وسيكون الهاشمي همزة الوصل المتقدمة بين الطرفين.
وبالنتيجة، فإن الخيار الإيراني هو الذي تحقق على الأرض، بقطع النظر عن تصريحات السيد المالكي ووعوده وتطعيمه للحكومة بوجوه "أمريكية" أو "سنية معتدلة" و"الجفاء" الذي قد تبديه مصر أو السعودية أو سوريا.
لقد سقطت مسوغات التهدئة التي قادت أطرافا سنية مقاومة إلى دخول لعبة التطمينات الخليجية الأمريكية والتي غيرت بوصلتها من أطراف مقاومة للاحتلال الأمريكي البريطاني إلى أداة أمريكية في حرب طائفية يعود ريعها لفائدة واشنطن في معركتها ضد طهران كقوة صاعدة إقليميا.
وسيكون مصير الصحوات، التعبيرة الأمنية للتقارب الأمريكي السني، مصيرا معقدا؛ ولن يقف الأمر عند منع إدماجها في قوات الأمن والجيش بل ستكون مناط استهداف مزدوج لوجودها من القوات "الحكومية" ذات الصبغة الطائفية الشيعية "المعبّرة عن مصالح طهران" من جهة أولى، ومن تنظيم "القاعدة" والتعبيرات السلفية الأخرى التي رفضت أن تسير في الركب الأمريكي من جهة ثانية واستمرت في المواجهة المفتوحة مع الوجود الأمريكي.
وبالتأكيد فإن كسر تحكم الصراع الأمريكي الإيراني في مختلف مفاصل اللعبة السياسية والأمنية وقيادته العراق، لن يتم إلا من خلال تشكل جبهة وطنية عراقية مقاومة للوجود الأجنبي بالعراق "الأمريكي والإيراني" سياسيا وإعلاميا وتُخرج للعالم الصورة العراقية كما هي، كحرب تحرير وطني، وليس كفضاء للاستقطاب الأمريكي الإيراني، أو جزء من الحرب الأمريكية على الإرهاب.
كل الدلائل تقول إن إيران فرضت خيارها بالعراق وإن المالكي سيكون رئيس الوزراء القادم، وإن الإدارة الأمريكية أحنت رأسها للعاصفة وقبلت بالمالكي على مضض، وإنها ستتخلى عن علاوي مرشحا لرئاسة الوزراء؛ ومن ثمة سقطت وعودها لبعض الأطراف السنية التي قبلت بمظلة علاوي رغم اختلافها مع تاريخه وطبيعة برنامجه.
إيران أثبتت أنها لاعب قوي في العراق، ليس فقط من خلال فوز الأطراف التابعة مذهبيا وسياسيا لها مثل أحزاب: الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري والفضيلة، وإنما، أيضا، تميزت إيران بأنها نجحت في إدارة ملف العراق في سياق حربها السياسية والدبلوماسية مع الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية التابعة لسطوة البيت الأبيض.
فواشنطن توهمت أنها أجرت الانتخابات في العراق وفق مقاساتها، وأن النتائج ستسمح لها بالمرور إلى خطوة هامة في حربها ضد طهران، وهي خطوة تقليص قواتها من على الأرض والاكتفاء بأعداد محدودة في القواعد العسكرية مع توفير عشرات الآلاف من المرتزقة بغاية فتح باب الحرب على إيران دون أن تكون رقبة الولايات المتحدة على المقصلة.
وهذا يعني ألا يكون الأمريكيون بالعراق رهائن لهجوم إيراني محتمل، وأن يتولى المرتزقة "أو لنسمهم بالمصطلح الشائع العاملين في الشركات الأمنية" مهمة التعطيل والتخريب وتوتير الوضع الأمني، لكن الخطة الأمريكية كانت تفترض بالضرورة تشكيل حكومة عراقية "صديقة" تحوز القبول الإقليمي ويكون دورها الأساسي قصقصة أجنحة إيران في العراق وإلهاء الأطراف التابعة لها بقضايا ثانوية ذات تفاصيل تشريعية وقانونية ووقف هيمنتها على وزارات السيادة "الأمن، الجيش، المالية، النفط".
لكن المشروع الأمريكي مهدد بالسقوط في الماء مع التفوق الإيراني العالي في مجال المناورة وحبك التحالفات وقراءة بنود الدستور الذي صاغه بريمر على هواه وتركه مليئا بالمطبات، أو لنقل بوضوح إن إيران هي من مررت تلك المطبات ووضعت البنود الملغمة في طريقه، لكن بريمر، الكوبوي المغرور، وقع في المحظور من حيث توهم أنه وضع الدستور على المقاسات الأمريكية.
ورغم أن واشنطن حرّكت "صداقاتها" في المنطقة لدعم علاوي قبل النجاح في الانتخابات وبعدها، لكن السخاء السعودي و"الود" السوري لم يفلحا في تقوية علاوي والجبهة التي شكلها والصعود بها إلى هرم السلطة، بل إن هذه الجبهة مرشحة للانفجار الآن، خاصة مع تلميحات طارق الهاشمي في تصريحاته المختلفة بأن لا مشكلة له مع حكومة يشكلها المالكي.
والحقيقة التي تتخفى عن أعين البعض أن "قائمة" علاوي هي في عمقها قائمة سنية أضيف إليها بعض "العلمانيين" المرتبطين تاريخيا بأمريكا ودول "الاعتدال" الخليجي، وبعض البعثيين "التائبين" الذين وضعوا الساق في الركاب الأمريكي، وحاولت تقديم نفسها في صورة الجبهة غير الطائفية ملوحة بشعارات الوطنية، والعمق العربي، ومحاربة الطائفية.
وقراءتنا للاتجاهات الحدث أن الهاشمي هو من سيقرأ الفاتحة على روح هذه "القائمة"، فهذا الرجل ذو الخط الإخواني البراغماتي الذي يبحث عن "المصلحة"، ولو لدى الشيطان "الإيراني والأمريكي على السواء"'، سوف يدير ظهره لعلاوي وجماعته ويلتحق بحكومة المالكي، خاصة أن واشنطن ومن ورائها الرياض ستتعاملان مع الحكومة "الإيرانية" الجديدة وستحاولان اختبار فاعلية الوعود التي يقدمها السيد المالكي، وسيكون الهاشمي همزة الوصل المتقدمة بين الطرفين.
وبالنتيجة، فإن الخيار الإيراني هو الذي تحقق على الأرض، بقطع النظر عن تصريحات السيد المالكي ووعوده وتطعيمه للحكومة بوجوه "أمريكية" أو "سنية معتدلة" و"الجفاء" الذي قد تبديه مصر أو السعودية أو سوريا.
لقد سقطت مسوغات التهدئة التي قادت أطرافا سنية مقاومة إلى دخول لعبة التطمينات الخليجية الأمريكية والتي غيرت بوصلتها من أطراف مقاومة للاحتلال الأمريكي البريطاني إلى أداة أمريكية في حرب طائفية يعود ريعها لفائدة واشنطن في معركتها ضد طهران كقوة صاعدة إقليميا.
وسيكون مصير الصحوات، التعبيرة الأمنية للتقارب الأمريكي السني، مصيرا معقدا؛ ولن يقف الأمر عند منع إدماجها في قوات الأمن والجيش بل ستكون مناط استهداف مزدوج لوجودها من القوات "الحكومية" ذات الصبغة الطائفية الشيعية "المعبّرة عن مصالح طهران" من جهة أولى، ومن تنظيم "القاعدة" والتعبيرات السلفية الأخرى التي رفضت أن تسير في الركب الأمريكي من جهة ثانية واستمرت في المواجهة المفتوحة مع الوجود الأمريكي.
وبالتأكيد فإن كسر تحكم الصراع الأمريكي الإيراني في مختلف مفاصل اللعبة السياسية والأمنية وقيادته العراق، لن يتم إلا من خلال تشكل جبهة وطنية عراقية مقاومة للوجود الأجنبي بالعراق "الأمريكي والإيراني" سياسيا وإعلاميا وتُخرج للعالم الصورة العراقية كما هي، كحرب تحرير وطني، وليس كفضاء للاستقطاب الأمريكي الإيراني، أو جزء من الحرب الأمريكية على الإرهاب.
خطة أوباما.. النفط مقابل العراق!
مختار الدبابي
لا تكاد تسمع على أفواه رموز الإدارة الأمريكية الجديدة سوى كلمات حاسمة عن الانسحاب من العراق خلال 16 شهرا.. وتأتي هذه الكلمات غامضة مبهمة، فليس هناك حديث عن تفاصيل الخطة ولا الضمانات التي تطلبها الإدارة الجديدة من أجل هكذا انسحاب حتى خُيّل لبعض الحالمين العرب أن أوباما ذا الجنوبية/ الأصول الشرقية سيعيد إلى هذا الزمن الأمريكي الكولونيالي المتوحش بهاء قديما كان ابراهام لنكولن الأسود مثله قاد ثورة لأجل صنعه ولو إلى حين.
وما إن ظهرت الإدارة الأمريكية الجديدة حريصة على أن تتكتم على التفاصيل، كان نبهاء العرب يستنتجون أن هناك شيطانا ينام في تلك التفاصيل وأن الانسحاب الموعود لا يعدو أن يكون انسحابا ملغوما.. وكعادة الوافدين الجدد إلى البيت الأبيض، فإنهم وبعد أن يطلقوا الوعود بـ\"التغيير\" و\"الديمقراطية\" ويجعلوا العالم يحلم معهم بزمن أفضل، يعمدون إلى إطلاق التسريبات هنا وهناك التي يفهم منها العارفون بالطبائع الكولونيالية أن غاية تلك الضجة هي إيهام الناس بأن زمنا جديدا قد بدأ ومن واجبهم أن يعطوه الفرصة الكافية لبداية \"التغيير\".
نتذكّر السيد بوش الابن كيف ملأ الدنيا وشغل الناس بحديثه عن الديمقراطية والإصلاح وأنه سيكون \"رسولا\" من أجل توسيع دائرة تطبيق هذه القيم وخاصة في المنطقة العربية الإسلامية، وبدأت تنعقد منتديات وملتقيات عن الإصلاح بعضها تلقائي وبعضها الآخر بإيحاء أمريكي، لكنه ارتد بعدها بأشهر قليلة دراغولا يلتذ بإسالة الدماء، ويتباهى بخرق الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان، والتي ترفعها منظمات أمريكية سيفا مسلطا على رقاب دول العالم الثالث.. ويكفي هنا التذكير بجوانتنامو، والسجون السرية، والاختطافات على طريقة العصابات، وأبو غريب.. وغيرها كثير.
سمعنا السيد أوباما منذ أيام يبشّر بعالم جديد وبأمريكا وفية لقيمها مع نقد جلي للإدارة الماضية ليس فقط حول تعاطيها مع الأزمة الاقتصادية والفساد الذي ارتبط بها وكانت الشرارة الحقيقية التي أحرقت كل شيء، وإنما في نزوعها إلى الحروب، وخاصة الحرب على العراق.. هذه الحرب التي يجد الرئيس الأمريكي الجديد تجاهها أنه في ورطة وكأنه هو من خاضها ويريد أن يخرج منها، فخطابه التفاؤلي سواء خطاب اليمين، أو خطابه الثلاثاء الماضي أمام مجلسي الشيوخ والنواب، أو خطابه أمس جعله يؤكد أن الانسحاب أمر لا مفر منه وإن كان \"انسحابا مسؤولا\"، وهذا ما جعل أصواتا من داخل \"الصقور\" تحذّره بينها منافسه على الانتخابات جون ماكين، والسفير السابق في بغداد ريان كروكر الذي قال إن مخاطر جدية قد تترتب على انسحاب امريكي سريع من العراق بما في ذلك تعزيز مواقع \"تنظيم القاعدة\" وتقويض السعي نحو تأسيس مجتمع مستقر.
وكان كروكر يتحدث للصحفيين قيامه وعدد من كبار ضباط الجيش الامريكي باطلاع الرئيس اوباما على الوضع في العراق.
والسؤال المطروح هنا: ما معنى \"الانسحاب المسؤول\"؟
إنه مفهوم غامض سيتم عبره الالتفاف على القرار \"الشجاع\" الذي سبق إعلانه في سياق الحملة الانتخابية وأيام التنصيب وأداء اليمين، وهي فترة كان فيها أوباما نجم المستقبل.
وفي قراءة لما يرشح هنا وهناك من تصريحات وتسريبات وكذلك من خلال التدقيق في نص الاتفاقية الأمنية التي سبق للمالكي وبوش أن أمضياها سويا ولم يتبرّأ منها أوباما ولا تحدث عنها أصلا، فإننا نقدر أن تكون مفاصل خطة أوباما كالتالي:
1 – الحصول على ضمانات عراقية قبل الانسحاب، ومن هذه الضمانات وأهمها ترك حكومة \"صديقة\" في بغداد، وهذا يعني أساسا قطع الطريق أمام هيمنة إيران على المشهد السياسي العراقي وفرضها وجوها تابعة، ويقرأ الكثير من المحللين نتائج انتخابات المحافظات الأخيرة في العراق بأنها نجحت في تحقيق جانب من هذا الشرط الأمريكي فقد سقط الموالون لإيران بالضربة القاضية، وخاصة المجلس الأعلى الذي كان ورقة سياسية وعسكرية ومذهبية إيرانية بامتياز.
ومع تغذية خفية لتحالف بين المالكي والصدر من أجل وقف سطوة تيار الحكيم/ المجلس الأعلى، تكون الإدارة الأمريكية قد دقت الإسفين في نعش التحالف الشيعي وهدمت أركان الثقة بين أفراده وأحزابه ومليشياته، ومن السهل عليها بعد ذلك تهميش التيار الصدري والقضاء عليه في ظل تذبذب قيادته وقصورها الفكري، فهي تارة في قلب العملية السياسية وتارة خارجها، وأحيانا أخرى نجدها تتقرب من الحركات المقاومة.
ويجري حديث عن أن السفير الأمريكي الجديد هيل سيواصل مهمة كانت غاية في السرية لسلفه كروكر، وهي انفتاحه على وجوه الصف الثاني من النظام السابق \"وجوه سياسية وعسكرية\" من أجل إعطائها دورا \"مؤثرا\" في السلطة يمنع انتكاسة الفريق الشيعي في الحكومة وعودته باتجاه إيران، والدليل هو عودة جماعية لأفراد الجيش السابق إلى السلك العسكري، وسريان مفاوضات بعيدة عن الأضواء بين شخصيات أمريكية ووجوه بعثية سابقة تقيم في دول الجوار العراقي تم التغاضي عن محاكمتها وتركها خيارا بديلا.
ولا يستبعد أن يتم تشكيل حكومة عراقية بمواصفات أمريكية تجمع كل هذا \"الموزاييك\" بعد الانتخابات التشريعية القادمة المقررة لآخر العام.
2 – نأتي الآن للضمانات الأمنية والتي تعني إبقاء وجود أمريكي \"فعّال\" لمنع التلاعب بـ\"الصداقة\" الأمركية العراقية وعودة إيران أو صعود \"القاعدة\" أو أي تيار متشدد شبيه بها، ولهذا تتحدث تسريبات إعلامية عن رغبة إدارة أوباما في الاستفادة من نقاط قوة الاتفاقية الأمنية، وخاصة ما يتعلق بالامتيازات القانونية التي يحصل عليها الجندي الأمريكي وحصانته أمام أي عمل عسكري ينهض به.
وهذه \"الاستفادة\" تجد مبررات لها في الاتفاقية/ الملحق التي أبرمتها إدارة بوش مع حكومة المالكي بعد نهاية التفويض الأممي للقوات الأجنبية، وهي اتفاقية تقول إن الحكومة العراقية يحق لها التمسك ببقاء أي قوات أجنبية، وبالنتيجة فإن القوات الأمريكية المرغوب فيها عراقيا لن تنسحب بالكامل بل ستترك قوات للضرورة، وعدد هذه القوات قد يصل إلى 50 ألفا مثل ما تقول بعض التقارير، بالإضافة إلى قواعد عسكرية يركن لها هؤلاء حتى \"ينسحبوا\" من التراب العراقي، ويتحكموا بعد ذلك في الأجواء والحدود البرية والبحرية.
وهي نتيجة سبق للمفكر الأمركي نعوم تشومسكي أن اشار لها في تعليقه على الاتفاقية الأمنية و\"وثيقة المبادئ\" حين قال \"هذه الوثيقة فتحت المجال أمام احتمال بقاءٍ طويل الأمد وغير محدّد للقوات الأمريكية في العراق، وهو بقاء من المفترض أن يشمل القواعد الجوية الضخمة التي تُبنى حالياً في أرجاء البلاد، و\"السفارة\" في بغداد التي تعدّ فريدةً من نوعها بين سفارات العالم، نظراً إلى أنّها أشبه بمدينة ضمن مدينة. فهذه القواعد وهذه السفارة لا تبنى ليتمّ التخلّي عنها لاحقاً\".
3 – ويضع تشومسكي الإصبع على الهدف الأبرز لهذه الاتفاقية، ومن ورائها عملية الغزو ككل، وهو استغلال امكانيات العراق، إذ يقول \"ناهيك عن أنّ الوثيقة تضمّنت إعلاناً عن استغلال ثروات العراق لافتاً لوقاحته، فقد نصّت على أنّ اقتصاد العراق، أي موارده النفطية، لا بد من أن يكون مفتوحاً أمام الاستثمار الأجنبي، \"خاصة الاستثمار الأمريكي\".
وفي هذا الإعلان ما يشبه القول إننا غزوناكم، كي نسيطر على بلدكم، ويكون لنا امتيازُ الوصول إلى مواردكم، أو أعطنا النفط نعد لكم العراق، ما يعني معادلة النفط مقابل العراق، وهو ما يبدو أن إدارة أوباما ترفعه، قياسا على برنامج النفط مقابل الغذاء.
وواضح هنا أن إدارة أوباما تريد تحقيق المكاسب الاستراتيجية مستغلة التفاؤل الساذج بالزمن الأمريكي الجديد، وهناك مخاوف من أن تنجح هذه الإدارة في دفع الفرقاء العراقيين \"المتفائلين\" بـ\"التغيير\" الأمريكي إلى تمرير قانون النفط أمام البرلمان العراقي، أو تفويض الحكومة لإبرام الاتفاقيات النفطية طويلة المدى مع الشركات الأمريكية والعالمية الكبرى التي ساندت الغزو ومولته وقادته عبر أبرز رموزها في فيلق المحافظين الجدد.
للإشارة، فإن السيطرة على النفط العراقي سيسمح لها بالتحكم من خلاله في اسعار النفط العالمية، ورهن الواردات النفطية بالنسبة إلى الاقتصاديات العالمية الكبرى، خاصة أنها تهيمن على حركة النفط الخليجي، ليس فقط من خلال اتفاقياتها السرية والعلنية، وإنما، ايضا، من خلال القواعد العسكرية المزروعة على طريق النفط قبالة مضيق هرمز الذي تلوح إيران بغلقه، وهو تلويح يساوي آليا انطلاق حرب جديدة.
والنتيجة، كما يقول الخبراء، أن اسعار النفط ستنخفض الى أدنى مستوى وسيصل النفط الخليجي الى أمريكا بأبخس الأثمان مما ينعكس في النهاية على المستوى الاقتصادي لهذه الدول وهذا سيؤدي الى إضعاف الدول الخليجية والدول العربية عموما حيث تمثل الدول الخليجية القوة الاقتصادية للدول العربية...
ومن المستحيل أن يدير الرئيس الجديد الظهر لهذه \"المنافع\" الأمريكية ويقر سريعا الانسحاب، خاصة أنه يأتمر بأوامر الأجهزة المتعددة التي تصنع القرار، فمثل هذه الخطوة تعني آليا أن أوباما وخبراءه الاستراتيجيين قرروا العودة إلى المربع الصفر، مربع تعدد الأقطاب والتفويت في زعامة العالم، وهو ما يتناقض مع الدراسات الاستراتيجية المتعددة وآراء الخبراء، من ذلك أن ألان جرينسبان الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي يعلن أن الحرب على العراق لم تكن سوى من أجل النفط.
وقال في كتابه \"عصر الإضرابات\" مفسرا خفايا قرار حرب 2003 على العراق انه بغض النظر عن قلق بريطانيا وأمريكا المعلن بشأن أسلحة الدمار الشامل الخاصة بصدام حسين.. يحزنني أنه ليس من المناسب سياسيا الاعتراف بما يعرفه الجميع وهو أن حرب العراق كانت الى حد كبير من أجل النفط.
ويسجل جرينسبان مقولة الرئيس الامريكي جورج بوش.. ادماننا للنفط هو الذي يجعل لمستقبل منطقة الشرق الاوسط اعتبارا أكثر أهمية في أي توقع طويل المدى للطاقة قائلا ان أي أزمة نفطية تشكل ضررا بالغا بالاقتصاد العالمي.
ومن المؤكد أن المقاومة العراقية ومختلف ألوان الطيف الوطني العراقي سيقرأ رسائل أوباما وتسريباته المتعددة قراءة سليمة ويكتشف أن خطة أوباما التي توهم بـ\"التغيير\" تجاه العراق لا تعدو أن تكون حركة \"ذكية\" تعيد إنتاج الاحتلال، ولكن في صورة أسوأ لأنها تتخفى وراء الوعود والتطمينات والشعارات وتتشبّث بالمكاسب والقواعد.
لا تكاد تسمع على أفواه رموز الإدارة الأمريكية الجديدة سوى كلمات حاسمة عن الانسحاب من العراق خلال 16 شهرا.. وتأتي هذه الكلمات غامضة مبهمة، فليس هناك حديث عن تفاصيل الخطة ولا الضمانات التي تطلبها الإدارة الجديدة من أجل هكذا انسحاب حتى خُيّل لبعض الحالمين العرب أن أوباما ذا الجنوبية/ الأصول الشرقية سيعيد إلى هذا الزمن الأمريكي الكولونيالي المتوحش بهاء قديما كان ابراهام لنكولن الأسود مثله قاد ثورة لأجل صنعه ولو إلى حين.
وما إن ظهرت الإدارة الأمريكية الجديدة حريصة على أن تتكتم على التفاصيل، كان نبهاء العرب يستنتجون أن هناك شيطانا ينام في تلك التفاصيل وأن الانسحاب الموعود لا يعدو أن يكون انسحابا ملغوما.. وكعادة الوافدين الجدد إلى البيت الأبيض، فإنهم وبعد أن يطلقوا الوعود بـ\"التغيير\" و\"الديمقراطية\" ويجعلوا العالم يحلم معهم بزمن أفضل، يعمدون إلى إطلاق التسريبات هنا وهناك التي يفهم منها العارفون بالطبائع الكولونيالية أن غاية تلك الضجة هي إيهام الناس بأن زمنا جديدا قد بدأ ومن واجبهم أن يعطوه الفرصة الكافية لبداية \"التغيير\".
نتذكّر السيد بوش الابن كيف ملأ الدنيا وشغل الناس بحديثه عن الديمقراطية والإصلاح وأنه سيكون \"رسولا\" من أجل توسيع دائرة تطبيق هذه القيم وخاصة في المنطقة العربية الإسلامية، وبدأت تنعقد منتديات وملتقيات عن الإصلاح بعضها تلقائي وبعضها الآخر بإيحاء أمريكي، لكنه ارتد بعدها بأشهر قليلة دراغولا يلتذ بإسالة الدماء، ويتباهى بخرق الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان، والتي ترفعها منظمات أمريكية سيفا مسلطا على رقاب دول العالم الثالث.. ويكفي هنا التذكير بجوانتنامو، والسجون السرية، والاختطافات على طريقة العصابات، وأبو غريب.. وغيرها كثير.
سمعنا السيد أوباما منذ أيام يبشّر بعالم جديد وبأمريكا وفية لقيمها مع نقد جلي للإدارة الماضية ليس فقط حول تعاطيها مع الأزمة الاقتصادية والفساد الذي ارتبط بها وكانت الشرارة الحقيقية التي أحرقت كل شيء، وإنما في نزوعها إلى الحروب، وخاصة الحرب على العراق.. هذه الحرب التي يجد الرئيس الأمريكي الجديد تجاهها أنه في ورطة وكأنه هو من خاضها ويريد أن يخرج منها، فخطابه التفاؤلي سواء خطاب اليمين، أو خطابه الثلاثاء الماضي أمام مجلسي الشيوخ والنواب، أو خطابه أمس جعله يؤكد أن الانسحاب أمر لا مفر منه وإن كان \"انسحابا مسؤولا\"، وهذا ما جعل أصواتا من داخل \"الصقور\" تحذّره بينها منافسه على الانتخابات جون ماكين، والسفير السابق في بغداد ريان كروكر الذي قال إن مخاطر جدية قد تترتب على انسحاب امريكي سريع من العراق بما في ذلك تعزيز مواقع \"تنظيم القاعدة\" وتقويض السعي نحو تأسيس مجتمع مستقر.
وكان كروكر يتحدث للصحفيين قيامه وعدد من كبار ضباط الجيش الامريكي باطلاع الرئيس اوباما على الوضع في العراق.
والسؤال المطروح هنا: ما معنى \"الانسحاب المسؤول\"؟
إنه مفهوم غامض سيتم عبره الالتفاف على القرار \"الشجاع\" الذي سبق إعلانه في سياق الحملة الانتخابية وأيام التنصيب وأداء اليمين، وهي فترة كان فيها أوباما نجم المستقبل.
وفي قراءة لما يرشح هنا وهناك من تصريحات وتسريبات وكذلك من خلال التدقيق في نص الاتفاقية الأمنية التي سبق للمالكي وبوش أن أمضياها سويا ولم يتبرّأ منها أوباما ولا تحدث عنها أصلا، فإننا نقدر أن تكون مفاصل خطة أوباما كالتالي:
1 – الحصول على ضمانات عراقية قبل الانسحاب، ومن هذه الضمانات وأهمها ترك حكومة \"صديقة\" في بغداد، وهذا يعني أساسا قطع الطريق أمام هيمنة إيران على المشهد السياسي العراقي وفرضها وجوها تابعة، ويقرأ الكثير من المحللين نتائج انتخابات المحافظات الأخيرة في العراق بأنها نجحت في تحقيق جانب من هذا الشرط الأمريكي فقد سقط الموالون لإيران بالضربة القاضية، وخاصة المجلس الأعلى الذي كان ورقة سياسية وعسكرية ومذهبية إيرانية بامتياز.
ومع تغذية خفية لتحالف بين المالكي والصدر من أجل وقف سطوة تيار الحكيم/ المجلس الأعلى، تكون الإدارة الأمريكية قد دقت الإسفين في نعش التحالف الشيعي وهدمت أركان الثقة بين أفراده وأحزابه ومليشياته، ومن السهل عليها بعد ذلك تهميش التيار الصدري والقضاء عليه في ظل تذبذب قيادته وقصورها الفكري، فهي تارة في قلب العملية السياسية وتارة خارجها، وأحيانا أخرى نجدها تتقرب من الحركات المقاومة.
ويجري حديث عن أن السفير الأمريكي الجديد هيل سيواصل مهمة كانت غاية في السرية لسلفه كروكر، وهي انفتاحه على وجوه الصف الثاني من النظام السابق \"وجوه سياسية وعسكرية\" من أجل إعطائها دورا \"مؤثرا\" في السلطة يمنع انتكاسة الفريق الشيعي في الحكومة وعودته باتجاه إيران، والدليل هو عودة جماعية لأفراد الجيش السابق إلى السلك العسكري، وسريان مفاوضات بعيدة عن الأضواء بين شخصيات أمريكية ووجوه بعثية سابقة تقيم في دول الجوار العراقي تم التغاضي عن محاكمتها وتركها خيارا بديلا.
ولا يستبعد أن يتم تشكيل حكومة عراقية بمواصفات أمريكية تجمع كل هذا \"الموزاييك\" بعد الانتخابات التشريعية القادمة المقررة لآخر العام.
2 – نأتي الآن للضمانات الأمنية والتي تعني إبقاء وجود أمريكي \"فعّال\" لمنع التلاعب بـ\"الصداقة\" الأمركية العراقية وعودة إيران أو صعود \"القاعدة\" أو أي تيار متشدد شبيه بها، ولهذا تتحدث تسريبات إعلامية عن رغبة إدارة أوباما في الاستفادة من نقاط قوة الاتفاقية الأمنية، وخاصة ما يتعلق بالامتيازات القانونية التي يحصل عليها الجندي الأمريكي وحصانته أمام أي عمل عسكري ينهض به.
وهذه \"الاستفادة\" تجد مبررات لها في الاتفاقية/ الملحق التي أبرمتها إدارة بوش مع حكومة المالكي بعد نهاية التفويض الأممي للقوات الأجنبية، وهي اتفاقية تقول إن الحكومة العراقية يحق لها التمسك ببقاء أي قوات أجنبية، وبالنتيجة فإن القوات الأمريكية المرغوب فيها عراقيا لن تنسحب بالكامل بل ستترك قوات للضرورة، وعدد هذه القوات قد يصل إلى 50 ألفا مثل ما تقول بعض التقارير، بالإضافة إلى قواعد عسكرية يركن لها هؤلاء حتى \"ينسحبوا\" من التراب العراقي، ويتحكموا بعد ذلك في الأجواء والحدود البرية والبحرية.
وهي نتيجة سبق للمفكر الأمركي نعوم تشومسكي أن اشار لها في تعليقه على الاتفاقية الأمنية و\"وثيقة المبادئ\" حين قال \"هذه الوثيقة فتحت المجال أمام احتمال بقاءٍ طويل الأمد وغير محدّد للقوات الأمريكية في العراق، وهو بقاء من المفترض أن يشمل القواعد الجوية الضخمة التي تُبنى حالياً في أرجاء البلاد، و\"السفارة\" في بغداد التي تعدّ فريدةً من نوعها بين سفارات العالم، نظراً إلى أنّها أشبه بمدينة ضمن مدينة. فهذه القواعد وهذه السفارة لا تبنى ليتمّ التخلّي عنها لاحقاً\".
3 – ويضع تشومسكي الإصبع على الهدف الأبرز لهذه الاتفاقية، ومن ورائها عملية الغزو ككل، وهو استغلال امكانيات العراق، إذ يقول \"ناهيك عن أنّ الوثيقة تضمّنت إعلاناً عن استغلال ثروات العراق لافتاً لوقاحته، فقد نصّت على أنّ اقتصاد العراق، أي موارده النفطية، لا بد من أن يكون مفتوحاً أمام الاستثمار الأجنبي، \"خاصة الاستثمار الأمريكي\".
وفي هذا الإعلان ما يشبه القول إننا غزوناكم، كي نسيطر على بلدكم، ويكون لنا امتيازُ الوصول إلى مواردكم، أو أعطنا النفط نعد لكم العراق، ما يعني معادلة النفط مقابل العراق، وهو ما يبدو أن إدارة أوباما ترفعه، قياسا على برنامج النفط مقابل الغذاء.
وواضح هنا أن إدارة أوباما تريد تحقيق المكاسب الاستراتيجية مستغلة التفاؤل الساذج بالزمن الأمريكي الجديد، وهناك مخاوف من أن تنجح هذه الإدارة في دفع الفرقاء العراقيين \"المتفائلين\" بـ\"التغيير\" الأمريكي إلى تمرير قانون النفط أمام البرلمان العراقي، أو تفويض الحكومة لإبرام الاتفاقيات النفطية طويلة المدى مع الشركات الأمريكية والعالمية الكبرى التي ساندت الغزو ومولته وقادته عبر أبرز رموزها في فيلق المحافظين الجدد.
للإشارة، فإن السيطرة على النفط العراقي سيسمح لها بالتحكم من خلاله في اسعار النفط العالمية، ورهن الواردات النفطية بالنسبة إلى الاقتصاديات العالمية الكبرى، خاصة أنها تهيمن على حركة النفط الخليجي، ليس فقط من خلال اتفاقياتها السرية والعلنية، وإنما، ايضا، من خلال القواعد العسكرية المزروعة على طريق النفط قبالة مضيق هرمز الذي تلوح إيران بغلقه، وهو تلويح يساوي آليا انطلاق حرب جديدة.
والنتيجة، كما يقول الخبراء، أن اسعار النفط ستنخفض الى أدنى مستوى وسيصل النفط الخليجي الى أمريكا بأبخس الأثمان مما ينعكس في النهاية على المستوى الاقتصادي لهذه الدول وهذا سيؤدي الى إضعاف الدول الخليجية والدول العربية عموما حيث تمثل الدول الخليجية القوة الاقتصادية للدول العربية...
ومن المستحيل أن يدير الرئيس الجديد الظهر لهذه \"المنافع\" الأمريكية ويقر سريعا الانسحاب، خاصة أنه يأتمر بأوامر الأجهزة المتعددة التي تصنع القرار، فمثل هذه الخطوة تعني آليا أن أوباما وخبراءه الاستراتيجيين قرروا العودة إلى المربع الصفر، مربع تعدد الأقطاب والتفويت في زعامة العالم، وهو ما يتناقض مع الدراسات الاستراتيجية المتعددة وآراء الخبراء، من ذلك أن ألان جرينسبان الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي يعلن أن الحرب على العراق لم تكن سوى من أجل النفط.
وقال في كتابه \"عصر الإضرابات\" مفسرا خفايا قرار حرب 2003 على العراق انه بغض النظر عن قلق بريطانيا وأمريكا المعلن بشأن أسلحة الدمار الشامل الخاصة بصدام حسين.. يحزنني أنه ليس من المناسب سياسيا الاعتراف بما يعرفه الجميع وهو أن حرب العراق كانت الى حد كبير من أجل النفط.
ويسجل جرينسبان مقولة الرئيس الامريكي جورج بوش.. ادماننا للنفط هو الذي يجعل لمستقبل منطقة الشرق الاوسط اعتبارا أكثر أهمية في أي توقع طويل المدى للطاقة قائلا ان أي أزمة نفطية تشكل ضررا بالغا بالاقتصاد العالمي.
ومن المؤكد أن المقاومة العراقية ومختلف ألوان الطيف الوطني العراقي سيقرأ رسائل أوباما وتسريباته المتعددة قراءة سليمة ويكتشف أن خطة أوباما التي توهم بـ\"التغيير\" تجاه العراق لا تعدو أن تكون حركة \"ذكية\" تعيد إنتاج الاحتلال، ولكن في صورة أسوأ لأنها تتخفى وراء الوعود والتطمينات والشعارات وتتشبّث بالمكاسب والقواعد.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)